
العداء مع الآخر!
د. آدم عربي
لم تكن التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقد الماضي مجرد أحداث سياسية عابرة، بل كانت لحظة تاريخية كشفت الكثير مما كان مستترا في بنية مجتمعاتنا. فما سُمِّي بـ"الربيع العربي" لم يحمل الربيع وحده، بل اختلط بخريف قاسٍ أسقط أوراقا كثيرة كانت تستر عيوبنا وأزماتنا. وما إن تساقطت تلك الأوراق حتى ظهرت أمامنا حقيقة مؤلمة؛ إذ انكشفت هشاشة مؤسساتنا، وعمق انقساماتنا، وضعف قدرتنا على إدارة اختلافاتنا، فضلاً عن انهيار كثير من الأحلام التي ظن الناس أنها على وشك أن تتحقق. ولم يكن الألم ناتجا عن فشل مشروع سياسي فحسب، بل عن سقوط صورة مثالية رسمناها لأنفسنا، ثم اكتشفنا أنها كانت أبعد ما تكون عن الواقع.
ولعل أخطر ما كشفت عنه تلك المرحلة هو طبيعة علاقتنا بالآخر. فقد بدا واضحا أن ثقافة التعايش لم تترسخ في وعينا الجمعي بالقدر الكافي، وأننا كثيرا ما تعاملنا مع الاختلاف باعتباره تهديدا ينبغي القضاء عليه، لا حقيقة إنسانية ينبغي استيعابها. لقد أراد القرآن الكريم من اختلاف الشعوب والقبائل أن يكون مدخلا إلى التعارف والتعاون، فقال تعالى: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، لكن الممارسة في كثير من الأحيان حولت التعارف إلى تعارك، والحوار إلى صراع، والتنوع إلى سبب للعداء والكراهية.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلل أننا لم نعد نفرق بين "الآخر" و"العدو". فالعدو مفهوم محدد، يطلق على من يعتدي على الحقوق أو يهدد الوجود أو يسعى إلى الإضرار بالوطن والإنسان، أما الآخر فهو كل من يختلف معنا في الدين أو الفكر أو المذهب أو القومية أو الثقافة أو الرأي. وليس من المنطق أن يتحول كل مختلف إلى عدو، لأن ذلك يفضي إلى مجتمع يعيش في حالة عداء دائم مع نفسه قبل أن يعادي غيره. إن الخلط بين المفهومين يجعل الحوار مستحيلا، ويحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع وجودي لا رابح فيه.
والحقيقة أن الآخر ليس نقيضا مطلقا لنا، كما يتصور البعض، بل هو جزء من تكويننا الإنساني والحضاري. فالهويات لا تنشأ في عزلة، والثقافات لا تتطور داخل جدران مغلقة، وإنما تتشكل عبر التفاعل المستمر بين الشعوب والأمم. إن كثيرا من أفكارنا وقيمنا وعاداتنا ولغتنا ومعارفنا هي نتاج تفاعل طويل مع الآخرين، كما أن لهم نصيبا مما أخذوه منا. ومن هنا فإن الاعتراف بالآخر لا يعني التنازل عن الهوية، بل يعني إدراك أن الهوية نفسها تنمو بالحوار والتفاعل، لا بالانغلاق والإقصاء.
والأهم من ذلك أن صورة الآخر ليست ثابتة، بل تتغير وفقا لطريقة تفكيرنا نحن. فالإنسان العشائري يرى الآخرين من خلال انتماءاتهم العشائرية، والطائفي يحصر الناس في طوائف، والقومي يقسم المجتمعات والعالم إلى قوميات.....الخ. ولذلك فإن تعريفنا للآخر يكشف عن طبيعة وعينا أكثر مما يكشف عن حقيقة الآخر نفسه. فالمرآة التي ننظر بها إلى الآخرين تعكس في كثير من الأحيان صورتنا نحن، بما نحمله من أفكار وأحكام مسبقة.
وفي إطار الوطن الواحد، يصبح احترام الآخر ضرورة وطنية قبل أن يكون قيمة أخلاقية. فالمواطنة لا تكتمل إلا عندما يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن اختلافاتهم الفكرية أو الدينية أو الثقافية أو السياسية. ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الاستقرار والتنمية إذا كان بعض أبنائه يشعرون بالإقصاء أو التهميش أو التمييز. إن الدولة الحديثة لا تُبنى بإلغاء التنوع، وإنما بإدارته ضمن إطار القانون والعدالة والمساواة، بحيث يشعر كل فرد بأنه شريك حقيقي في الوطن، لا مجرد ضيف فيه.
وفي المقابل، فإن اللجوء إلى الإكراه والقهر من أجل فرض الوحدة لا يؤدي إلا إلى صناعة مجتمع تسكنه الكراهية. فقد تستطيع السلطة أن تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع أن تفرض القناعة، وقد تنجح في إخفاء الخلاف، لكنها لا تلغيه. ولهذا تبدو بعض المجتمعات متماسكة من الخارج، بينما تخفي في داخلها احتقانات عميقة لا تلبث أن تنفجر عندما تتغير الظروف. فالوحدة التي تقوم على الخوف ليست وحدة حقيقية، وإنما هدنة مؤقتة تؤجل الصراع ولا تمنعه.
ولا ينبغي تفسير استمرار سياسات الإقصاء والقمع على أنها مجرد أخطاء في التفكير أو سوء في التقدير، فغالبا ما تقف وراءها مصالح ضيقة وامتيازات خاصة تستفيد من بقاء الانقسام واستمرار التوتر. وعندما تصبح المصالح الخاصة هي المحرك الأساسي للقرار، يغدو من السهل تبرير السياسات الخاطئة، بل والدفاع عنها مهما كانت نتائجها مدمرة للمجتمع.
إن التحدي الحضاري والديمقراطي الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم يتمثل في قدرتها على إعادة بناء علاقتها بالآخر. وهذا لا يتحقق إلا إذا منحناه حق التعبير عن نفسه كما هو، لا كما نريده نحن أن يكون، وإذا امتلكنا الشجاعة للاستماع إليه، لأن فهم الآخر هو في الوقت نفسه طريق لفهم أنفسنا وتصحيح أخطائنا. كما أن تجاوز ميراث الماضي بما حمله من صور مشوهة وأحقاد متراكمة يتطلب مراجعة صادقة للذات، وإرادة حقيقية لبناء ثقافة جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الكرامة الإنسانية.
إن المستقبل لن يكون من نصيب المجتمعات التي تنتصر على بعضها، بل للمجتمعات التي تنجح في التعايش مع اختلافاتها وتحويل تنوعها إلى مصدر قوة وإبداع. وعندما ندرك أن الآخر ليس تهديدا لوجودنا، بل شريكا في صناعة مستقبلنا، نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر عدلا، وأكثر استقرارا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر.
