
ولا عزاء للمثقف بمشهد اعتلاء الجهل ومصطنعيه
تيسير عبدالجبار الآلوسي
كلمة في أزمة ثقافة التنوير وبعض ما تجابهه من تحديات وضغوط
— ألواح سومرية معاصرة
بع1 تساؤلات تبحث عن إجاباتها التي تجدها في اشتغالها ومعطيات التساؤلات ذاتها مثلما تترك فسسحة واسعة للتفاعل من القارئة والقارئ الكريمين.. هنا معالجة تفتتح المثقف التنويري لتؤكد مشوارها بتواضع الأداء وحدوده المادية الضعيفة لكنها الكبيرة في توجهات تتمسك بالثقافة خطابا لتنوير العقل وبناء الشخصية التي تنتمي لعصر العقل العلمي ولزمن لا مكان لمن يتبنى الخرافة ومسار التجهيل فالخطابان على ضفتين متضادتين متناقضتين.. شكرا لكل تفاعلاتكم ولعبوركم نحو زيارة المثقف التنويري كما في الرابط المرفق بنهاية المعالجة التي كانت اغتتاحية العدد الجديد لشهر تموز يوليو
ولا عزاء للمثقف بمشهد اعتلاء الجهل ومصطنعيه
تيسير عبدالجبار الآلوسي
منذ عقود عاشت الثقافة في العراق، أزمةً بنيويةً مركبة؛ أفضت إلى انهيار شامل في مكان المثقف ومكانته ومن ثمَّ في دوره في الحياة العامة للبلاد والعباد. إذ في وقت ارتفع عالياً صوت الخرافة ودجل خطابها الموصوف بـ(الفكر الظلامي) بكل ممارساته في تفاصيل اليوم العادي للمجتمع لم يعد للمثقف ولمنجزه الثقافي أيّ دور منتظر.
ولربما بعجالة افتتاحية تنويرية موجزة لا يمكن إلا تلخيص ما جرى بخاصة في ربع القرن الأخير من استفحال الظاهرة وأبعادها وتغوّلها، كما في الآتي:
1. استدعاء أسوأ ما في سجلات الموروث من عوامل عملت على شلّ العقل وأي أداء علمي الطابع بجانب تشويه منظومة القيم: ولعل القوى التي وقفت وراء ذاك الفعل الظلامي كانت استطاعت استغلال مخلفات مجمل الأنظمة الشمولية المتطرفة، والثغرات التي رافقت سنوات الغزو والاحتلال منذ عام 2003، لتتدرج في كبح الحراك التنويري وترتكب جرائم أودت أو أوجدت تصدعاً حادّاً في الهوية الثقافية العراقية.
2. غرس وتغذية منظومة قيمية بديلة فرضت نهج المحاصصة وتجيير النهج العام لخدمة التشوهات التي غطَّت وتغطي على أيّ فعل يُرتكب: ولم يُسمح إلا بظهور خطاب (ثقافة) تخدم سطوة أحزاب الدين السياسي التي اعتمدت المحاصصة الطائفية، بمعنى تهميش دور ثقافة التنوير وحجب أي فعل جمعي واسع وقادر على الوصول إلى الجمهور الأمر الذي أوقع حصارا ومصادرة شديدين على المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية (مثل دار الشؤون الثقافية العامة) ومثل اتحادات ونقابات الأدب والفن وإنتاج ثقافة العقل العلمي.
3. تراجع الرؤية النقدية ومبادراتها: وتحت ضغوط قاسية وأشكال مصادرة وعرقلة للمشروعات الثقافية ينشغل منتجو الثقافة النقدية ورؤاها بالتكتيكي العابر ما جعل المشهد الراهن لأية مدرسة أو نهج نقدي بموضع التهميش في إبداء استيعاب روح العصر وفي محدودية واجتزاء التعامل مع التحولات الحضارية والتكنولوجية بعمق وشمول مطلوبين لكنهما مفتقدين فعليا.
4. استفحال تفريخ الأزمات وافتعالها وتناسلها بقدرات متفاقمة لقوى الظلام والتطرف: وهنا ينبغي الإشارة المباشرة إلى استغلال الدين وخطاب تدجينه بالخرافة في إطار إشاعة نهج سياسي أعلى من فرض تغلغل فكر القوى الأصولية المتطرفة المتشددة، وهو ما حفر جرحا غائرا بخنجر العنف والكراهية والتطرف وكل ما كان سببا في تمزيق النسيج الاجتماعي والاستفراد بعناصره في الفرض القهري القسري لإرادة استغلالية خطيرة وكارثية.
5. مفاقمة الاصطراع واختلاق النزاعات لهز السلم المجتمعي الأهلي: الأمر الذي فرض هيمنة ذلك النهج عبر خلق بيئة طاردة لكل أداء أو إنجاز للفكر التنويري، فتسيّدت كيانات وتنظيمات إرهابية فاسدة أعادت المجتمع برمته إلى بيئة القرون الوسطى وهويتها القيمية الظلامية.
6. سطوة البلطجة والاغتيالات والمحاصرة بالضد النخبة المتنورة وفرض انحسار وجودها وتراجع إمكانات عطائها: وهكذا تفاقم تراجع النخب التنويرية المثقفة، بوساطة هجرة الكفاءات الفنية والأدبية إلى الخارج، وقطع اتصالها برحمها حيث الوطن والناس ما أصطنع فراغاً سهَّل على قوى غير مؤهلة لإدارة الخطاب الثقافي باتجاه ظلامي يتناسب والنهج التخريبي المتقاطع مع اتجاه العصر..
7. ومع تخريب البنى الطبقية وتشويه البنى الديموغرافية وسحق الطبقات المنتجة بتعطيل الصناعة والزراعة وخلق كل تلك الحروب والأزمات وتسيّد الأوضاع المأساوية جرى إيجاد أقوى الأدوات لتمكين الخرافة سيادة التفكير الغيبي وإفشائهما ما دفع بشرائح واسعة من حثالة المجتمع لتبني الخرافات، والعيش على أوهام تفسيرات تستند إلى نظرية المؤامرة، وإلى التنجيم، بوصفها آليات دفاعية لقراءة الواقع المتخلف وما يكتنزه من عقبات وأوصاب معقدة.. وجرى في هذا الإطار استغلال الفوضى لمزيد تسطيح لوعي الشبيبة وصرف أنظارهم عن قضايا الأساس في حيواتهم كما في البطالة والمخدرات والفقر والفساد وكل ما استشرى من تلك الأمراض. ولعل اللعب على المشكلات السايكوسوسيولوجية بخاصة مع تراجع الثقة الاجتماعية وهزال دور التربية والتعليم ، قد عرَّض الشارع العراقي بغالبه لشتى أنواع الاستلاب الفكري.
لكننا نلاحظ تشوش وتشتت ليس في أداء المثقف وحده بل فيما أصاب برامجه ووضوحها وسلامة صياغتها وأولوياتها التي بقيت تدرك جزئيات تناقشها لكنها لا تتمكن من إيجاد فرصة لصياغة استراتيجية تتناسب وحجم الهجوم الكارثي لقوى الظلام ونهجها وعاصفة هجومها وتبقى معضلات كبرى من جهة البنى التحتية وقيمة العمل والتمسك بقيم التنوير ومعالجة ظواهر سلبية خطيرة كـ(العنف، المخدرات، الابتزاز، البطالة، الفقر وقضايا الحقوق والحريات) و-أو معالجة أو إيجاد سبل إنقاذ الوعي الجمعي من براثن الخرافة والتطرف؛ تبقى مصادرة مشوشة بلا خريطة طريق نحو مستقبل داهمنا ونحن خارجه وخارج القطار المتجه إليه..
تمت كتابة هذا لافتتاحية مجلة المثقف التنويري وتلك المجلة وأعدادها تبحث عن لملمة المنجز وأشلائه وإعادة وضعها بصورة ربما تساعد في إيجاد الطريق والمخرج من الأزمة الطاحنة التي وصفناها من بوابة التحذير من استسلام للتشوهات واستسهال لمشاغلات ببعض مفردات أداء لا تغني ولا تسمن فالمثقف مسؤول لا عن تفسير عصره بل إيجاد وسائل ركوب قطار مستقبل بات على أبوابنا فيما ولج دور عالمنا الذي نحيا خارجه.. فهل من التفات وانتباه!!؟
هذا رابط النشر:
https://www.somerian-slates.com/2026/07/21/19437
