
من رحم النضال/ 39
د. مزاحم مبارك مال الله
عُقد الاجتماع (أو كما يُقال في هذه الأيام: الاجتماع الموسّع) في الطابق الثالث من مقر الحزب، داخل قاعة تتسع لعشرات الزملاء والرفاق. جلسنا على الأرض، بينما استأذن رفيقنا توما توماس بالجلوس على كرسي لعدم قدرته على الجلوس أرضًا لأسباب تتعلق بالمفاصل، وهو معروف بضخامة جسده.
بدأ الرفيق توماس حديثه عن مفاوضات الجبهة وما وصلت إليه، وعن مسارات حزب البعث (الحليف!!) وما وصفه بالجوانب الإيجابية، ثم تطرق إلى المساومات التي يتعرض لها حزبنا، معتبرًا أن علينا إما التضحية استمرارًا لتضحياتنا أو التنازل، وإلا فإننا سنفوّت فرصة على الوطن والشعب في تحييد “البرجوازية الماسكة بالسلطة”.
بعدها أخذ بعض الرفاق يطرحون تبريرات بهدف استحصال موافقتنا نحن قيادة اتحاد الطلبة في الموصل، في حين انبرى عدد من الزملاء والرفاق رافضين هذا التراجع أمام البعث، وبصوت جهوري واضح.
رفعت يدي مستأذنًا بالكلام، فأذن لي الرفيق أبو جوزيف، فقلت واقفًا أمام الحضور:
"زملاؤنا ورفاقنا، من الواضح أننا في اتحاد الطلبة نرفض هذا الانصياع، وكما هو معروف ليس لنا ارتباط تنظيمي مباشر بالحزب. لذلك نطلب من قيادة الحزب أن تترك لنا حرية اتخاذ قرارنا"
يبدو أن هذا الكلام أغاظ الرفيق توما توماس، فأشار إليّ بيده مقاطعًا (وأصفه اليوم بأنه كان أسلوبًا قمعيًا)، وقال:
"رفيق، أنتم بعدكم صغار بالسياسة، وقرار الحزب قرار سياسي. استرح، وعليكم فقط أن تثقفوا الطلبة بهذا التوجه."
فقلت: "رفيق، وكيف سيكون موقفنا في الساحة أمام عصابة الاتحاد الوطني؟"
نتيجة هذا الموقف، ونوع الزجر الذي تعرضت له من قبل الرفيق توما توماس، شعرت بإحباط شديد، وقد انتبه إلى ذلك جميع الحضور.
انفض الاجتماع بعد ثلاث ساعات، دون أن تتمكن قيادة اتحاد الطلبة في الموصل من استحصال قرار التجميد المشؤوم.
هممت في نزول سلالم المقر، فإذا بأحد الرفاق يناديني: "رفيق مزاحم، الرفيق أبو جوزيف يريدك". شعرت حينها أنني سأتعرض لتعنيف جديد.
دخلت غرفة الرفيق أبو جوزيف، فناداني: "تعال رفيق، لا أريدك أن تزعل مني. أنت رفيق جيد ومتحمس، وأتوقع لك مستقبلًا حزبيًا جيدًا، لكن عليك أن توازن الأمور وتضع مصلحة الوطن والشعب فوق كل اعتبار."
أطرقتُ موافقًا على كلامه، إذ بدا الأمر وكأنه انتهى، ولم يكن سوى إجراءات شكلية لطيّ الملف. ثم طيّب خاطري ببضع كلمات، وقبّلني قائلاً: "أريد أن أسمع عنك أخبارًا طيبة كما كنت أسمع دائمًا."
نزلنا جميعًا وتفرقنا…
(يتبع)
