
النكبة المستمرة .. وخيار المواجهة الحتمية في الضفة
فتحي كليب
مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
تجمع شهادات عدد من المؤرخين الغربيين والعرب، إلى جانب مذكرات مسؤولين سابقين في إدارة الانتداب البريطاني وشهادات بعض المنتمين إلى المجموعات الصهيونية الارهابية ممن شاركوا في اعمال قتل ضد الشعب الفلسطيني، على أن السيطرة على ارض فلسطين لم تكن نتيجة لعملية عسكرية مباغتة وقعت في العام 1948، بل تم التمهيد لها باستراتيجية طويلة قامت على فرض وقائع ميدانية متدرجة، انتقلت خلالها السيطرة من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى أخرى، وفقا لما ذكره اول رئيس وزراء لاسرائيل ديفيد بن غوريون الذي قال: "لقد سيطرنا على فلسطين قطعة قطعة وشجرة شجرة"..
اعتمدت المنظمات الصهيونية المسلحة في احتلال القرى والمدن الفلسطينية على ما عرف بالخطة (D)، التي كانت تستند، إلى استرتيجية تطويق القرى والبلدات من ثلاث جهات وترك الجهة الرابعة مفتوحة لدفع المدنيين إلى الفرار تحت وطأة الخوف، بعد وقوع مجازر في عدد من المناطق. ولم يقتصر الهدف على السيطرة العسكرية المباشرة فقط، بل شمل أيضا إفراغ المناطق من سكانها الفلسطينيين، وإحكام السيطرة على طرق المواصلات، بما يحول دون عودة المهجرين إلى قراهم ومنازلهم بعد انتهاء العمليات القتالية، وهو ما أسهم، في وقت لاحق، في تكريس حالة اللجوء التي ما زالت متواصلة حتى اليوم.
لقد استفادت المجموعات اليهودية المسلحة، من ميزان قوى مختل فرضته الانتداب البريطاني بشكل متعمد ومقصود. إذ وفرت السلطات الانتدابية البيئة السياسية والأمنية والعسكرية التي سمحت للمؤسسات الصهيونية بتطوير قدراتها التنظيمية والعسكرية، وبعض المصادر تتحدث عن تسليح مباشر من قبل الجيش البريطاني لبع المجموعات الصهيونية، ومن جهة أخرى، لجأت الى ممارسة اقسى درجات القمع بحق الحركة الوطنية الفلسطينية وقادتها، شملت الاعتقالات الجماعية، والإعدامات، والنفي، ومصادرة السلاح، وقمع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، الأمر الذي أضعف قدرة الفلسطينيين على مواجهة المشروع الصهيوني عشية انتهاء الانتداب.
اليوم، وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة، تبدو الضفة الغربية وكأنها تشهد إعادة إنتاج، بصيغ مختلفة، لآليات فرض الوقائع التي سبقت قيام إسرائيل. صحيح أن الظروف الدولية تغيرت، وأن النظام الدولي أصبح أكثر تطورا، إلا أن جوهر السياسة الإسرائيلية، ما زال قائما على تكريس السيطرة التدريجية على الأرض، وتقليص الوجود الفلسطيني، واللجوء الى سياسة الامر الواقع عبر تحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه.
واذا كان الاستيطان في الضفة الغربية هو الركن الاساسي في سياسة الامر الواقع الاسرائيلية، وتغير وظيفته التاريخية الى أكثر من مجرد مشروع إسكاني أو أمني، فقد تحول إلى أداة سياسية لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا. فالمستوطنات لم تعد جزرا منفصلة، وإنما شبكة مترابطة من المدن والطرق والبنى التحتية التي تقطع أوصال الضفة الغربية وتحولها إلى تجمعات فلسطينية معزولة، الأمر الذي يجعل قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا أكثر صعوبة مع مرور الوقت. ولذلك، فإن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد القرى الفلسطينية لا يمكن فصلها عن هذا المشروع الأشمل، لأنها تؤدي وظيفة سياسية واضحة تتمثل في دفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم طوعا أو قسرا، بما يحقق هدف السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض بأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين. وهنا يمكن العودة الى استراتيجية احتلال فلسطين عام 1948.
لقد وثقت عشرات التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، تصاعدا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين خلال السنوات الأخيرة. ولم تعد هذه الاعتداءات تقتصر على عنف منفلت، كما توصفه بعض الدوائر الغربية، بل تطورت إلى جرائم حقيقية تجبر عائلات فلسطينية الى مغادر منازلها واملاكها، نتيجة الاقتحامات المباشرة لجيش المستوطنين للقرى والمدن الفلسطينية.
ويكمن مصدر القلق الأكبر بالنسبة للفلسطينيين في الطريقة التي تتعامل بها بعض الدول الغربية مع اعتداءات المستوطنين، إذ تصنف من قبل بعضها على أنها مجرد أعمال "عنف" أو تجاوزات فردية، في حين تشير الوقائع الميدانية، ويقر بذلك حتى بعض المسؤولين الإسرائيليين انفسهم، إلى وجود درجة عالية من التنسيق والانسجام بين المستوطنين ومنظماتهم وبين مؤسسات الدولة الإسرائيلية. وأصبح واضحا أن جانبا كبيرا من هذه الاعتداءات ينفذ تحت حماية مباشرة من الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، أو في الحد الأدنى تقاعس متعمد عن منعها أو محاسبة مرتكبيها. ويعزز هذا الواقع الدعم العلني الذي يبديه عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست للمستوطنين، باعتبارهم أداة أساسية في توسيع المشروع الاستيطاني وفرض الوقائع على الأرض. وبذلك، يغدو ما يوصف بـ"العنف الاستيطاني" جزءا من سياسة تحظى بغطاء سياسي ومؤسساتي، أكثر من كونه ممارسات فردية معزولة.
ومن هنا، فإن ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن اختزاله في مواجهات متفرقة بين مستوطنين وفلسطينيين، بل هو جزء من مشروع سياسي يعرف إسرائيليا بمشروع "الضم"،الذي لم يعد مجرد قرار قانوني ينتظر الإعلان الرسمي، وإنما أصبح عملية متدرجة تتجسد يوميا في التوسع الاستيطاني، والسيطرة على الأراضي، وإقامة البؤر الجديدة، وشق الطرق الالتفافية، وربط المستوطنات بالبنية التحتية الإسرائيلية، مع تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة وتقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية ووضع بعض المناطق تحت الاشراف الاسرائيلي المباشر. وبذلك يتحول الضم إلى واقع فعلي حتى قبل صدور إعلان رسمي بشأنه.
يطرح هذا الواقع أسئلة جدية وعميقة حول موقف العديد من الدول الغربية، التي تقدم نفسها باعتبارها المدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. إذ من الصعب على الرأي العام العالمي فهم كيف يمكن للدول نفسها التي تفرض العقوبات على دول أخرى بسبب احتلال أراض أو انتهاك القانون الدولي، أن تواصل في الوقت ذاته تقديم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لإسرائيل، رغم استمرار الاحتلال والاستيطان وتوسع الانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.
هذه الازدواجية في المعايير لم تعد مجرد اتهام سياسي يوجهه الفلسطينيون أو العرب، وإنما أصبحت موضع نقاش داخل الأوساط الغربية نفسها. فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا في انتقادات أكاديميين وبرلمانيين ومنظمات حقوقية غربية اعتبرت أن استمرار التعامل مع إسرائيل باعتبارها استثناء من قواعد القانون الدولي يضعف مصداقية النظام الدولي برمته، ويجعل مبادئ حقوق الإنسان انتقائية وخاضعة للاعتبارات السياسية لا للقيم القانونية والأخلاقية.
هنا يبرز مفهوم "حق الدفاع عن النفس"، الذي أصبح أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الخطاب السياسي الغربي. فالحكومات الغربية تؤكد بصورة متكررة "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، لكنها نادرا ما تطرح السؤال المقابل: ماذا عن الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال العسكري منذ عام 1967؟ وهل يملك السكان الواقعون تحت الاحتلال حقا في حماية أنفسهم من الاعتداءات اليومية التي يتعرضون لها؟
يبدو ان العالم الغربي يتناسى او لا يريد يقرأ تلك النصوص التي تقول: إن القانون الدولي يميز بين حالة الدولة ذات السيادة التي تتعرض لعدوان خارجي، وبين حالة الاحتلال العسكري المستمر. كما أن قرارات الأمم المتحدة أكدت مرارا حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في تقرير مصيرها، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين وعدم استهدافهم. وبالتالي فإن اختزال القضية في شعار "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" دون تناول واقع الاحتلال نفسه، يؤدي إلى تجاهل السبب الأساسي لاستمرار الصراع.
والأخطر من ذلك أن استخدام هذا المفهوم بصورة انتقائية يمنح الاحتلال حصانة سياسية تمكنه من مواصلة سياساته دون تحمل تبعات قانونية أو دبلوماسية حقيقية. فطالما بقي الاحتلال بمنأى عن المحاسبة، وطالما استمرت المستوطنات في التوسع دون عقوبات، فإن الرسالة التي تصل إلى صناع القرار في إسرائيل هي أن كلفة استمرار الاحتلال أقل بكثير من كلفة إنهائه.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من الأولى بالدفاع عن النفس؟ هل هو الطرف الذي يملك الجيش والطيران وأجهزة الأمن والسيطرة الكاملة على الأرض والمعابر والموارد، أم الشعب الذي يعيش تحت الاحتلال ويواجه بصورة يومية عمليات المصادرة والاعتقال وهدم المنازل واعتداءات المستوطنين؟ هذا السؤال لا يطرحه الفلسطينيون وحدهم، بل يطرحه أيضاً كثير من فقهاء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان التي ترى أن تجاهل سياق الاحتلال يؤدي إلى قراءة مبتورة للصراع، وإلى اختزال القضية في بعدها الأمني، مع إغفال جذورها السياسية والقانونية.
لقد أثبتت العقود الماضية محدودية الرهان الفلسطيني الرسمي على الضغوط الغربية وحدها. فمنذ توقيع اتفاق أوسلو تضاعف عدد المستوطنين عدة مرات، واتسعت رقعة المستوطنات بصورة غير مسبوقة، بينما بقيت عملية التسوية السياسية تدور في حلقة مفرغة. وهذا الواقع يدفع إلى إعادة تقييم الأدوات الفلسطينية في مواجهة المشروع الاستيطاني، بعيدا عن الاعتقاد بأن المجتمع الدولي سيتحرك تلقائيا لإنهاء الاحتلال.
ولا يعني ذلك بالضرورة حصر خيارات المواجهة في نمط وشكل معين للمواجهة، بل يستدعي تبني مفهوم شامل للمقاومة يستوعب مختلف أشكال الفعل الوطني الممكنة والمتاحة. ويشمل ذلك تعزيز صمود المواطنين على أرضهم، ودعم الاقتصاد الفلسطيني، وتوسيع المقاومة الشعبية للاستيطان، وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بصورة منهجية، وملاحقة المسؤولين عنها أمام المحاكم والهيئات الدولية. غير أن نجاح هذه الأدوات يبقى مرهونا بوجود موقف رسمي فلسطيني واضح وحازم، ينطلق من وقف مختلف أشكال التعاطي مع إسرائيل بوصفها قوة احتلال، والتعامل مع الواقع الفلسطيني باعتباره ما يزال في مرحلة التحرر الوطني، بما يفرضه ذلك من أولويات ومهام سياسية ووطنية. ويستدعي أيضا بلورة استراتيجية وطنية موحدة للمواجهة الشاملة، تقوم على إنهاء الانقسام، وإعادة بناء الوحدة الداخلية، وترسيخ الشراكة الوطنية، وتوحيد الجهود السياسية والشعبية والميدانية ضمن رؤية وطنية جامعة.
وفي الوقت نفسه، تبقى الحماية الدولية مطلبا ملحا لا ينبغي التخلي عنه. فالمجتمع الدولي يمتلك، إذا توفرت الإرادة السياسية، وسائل ضغط متعددة، تبدأ بفرض عقوبات على اسرائيل، ككيان اولا، ثم على المستوطنين المتورطين في ارتكاب جرائم ضد الشعب الفلسطيني، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فضلا عن استخدام الآليات التي توفرها الأمم المتحدة والمحاكم الدولية لضمان احترام اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.
إن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع على الحدود، وإنما أصبحت اختبارا حقيقيا لمدى قدرة النظام الدولي على تطبيق القواعد التي وضعها بنفسه بعد الحرب العالمية الثانية. فإذا بقي الاحتلال والاستيطان بمنأى عن المساءلة، فإن ذلك سيشكل سابقة خطيرة تضعف الثقة بمنظومة القانون الدولي، وتشجع قوى أخرى في العالم على انتهاج سياسات مشابهة.
ويبقى السؤال الأساسي: هل يمتلك المجتمع الدولي الشجاعة السياسية للانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية توقف التوسع الاستيطاني وتحمي المدنيين الفلسطينيين، أم أن القضية الفلسطينية ستظل الاستثناء الوحيد الذي تعطل فيه قواعد القانون الدولي بفعل موازين القوى والتحالفات السياسية؟
إن مستقبل الضفة الغربية لا يتوقف على إرادة الفلسطينيين وحدهم، بل يرتبط أيضا بمدى استعداد المجتمع الدولي للدفاع عن المبادئ التي يعلنها. فإما أن يكون القانون الدولي قانونا يسري على الجميع دون استثناء، وإما أن يتحول إلى أداة انتقائية تفقد تدريجيا مشروعيتها الأخلاقية والسياسية. وفي ظل استمرار الوقائع التي تفرض يوميا على الأرض، يصبح الزمن عنصرا حاسما؛ فكل يوم يمر دون وقف الاستيطان والجرائم المنظمة، يقرب المنطقة من واقع يصعب تغييره، ويجعل فرص الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
