للذهاب الى صفحة الكاتب   

مكسيم غوركي: لو كان للوطن فم لبصق على الجميع

محمد حمد

 

 

دعونا نضع كلمة الشعب بدلا من الوطن الواردة في مقولة مكسيم غوركي الشهيرة، والتي مضى عليها عدة عقود من الزمن. فماذا عساه أن يقول اليوم؟ عن "الشعب" الذي أصبح ماكنة للاستهلاك وفم واسع يبتلع كل ما يحصل عليه من فضلات "التطور الحضاري" وانواع أخرى من "المخدرات" التي تصله تقريبا مجانا عن طريق وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي صممت أغلبها وتمّت برمجتها لكي لا يكون هناك شيء اسمه الشعب!

 

فتحولت المجتمعات في عصرنا هذا إلى خليط غير متجانس من "أفراد" يجهل أو يتجاهل بعضهم البعض إلى حد ما. تجمعهم مصالح مادية مشتركة تقتضيها الضرورة للبقاء على قيد الحياة والاستمرار على نفس المنوال. ولهذا اصبح ما يعانيه الاخر، من اي جنس أو مصدر أو منشا كان هذا الاخر، لا يعني الا القليل القليل من الناس. والكل يتجنب ويتحاشى الكل، كأننا نخشى من عدوى مميتة. فالمشاعر زائفة والابتسامات صفراء باهتة والنظرات مريبة تعكس لا مبالاة وعدم اكتراث بما يدور في نفس البيئة التي نتواجد فيها.

 

في يوم ما كانت الأنظمة والحكومات تخشى صولة الشعوب وتهاب ردود فعلها وتتجنب بشكل من الأشكال الصدام معها. أما اليوم فانقلبت الآية. أصبحت الشعوب هي التي تخشى الأنظمة والحكومات وتحاول غض النظر، تجنبا للمشاكل والازعاج، عن كل ما تقوم به الحكومات من استبداد وقمع حريات وفساد مستشري، والعراق نموذجا في ملف الفساد، إلى درجة أصبحت الدولة والنظام الحاكم  والرجال الذين يقودونها، رغم قلتهم "شعبا" خاصا، بعيدا عن الشعب الحقيقي المكون من ملايين البشر.

 

والنتيجة، كلما صمت الشعب ارتفع صوت النظام شدة وضراوة. وكلما اشاح الشعب بوجهه امتدت ايدي رجال السطة إلى المال العام، نهبا وسلبا وتبذيرا. وكلما تجاهل الشعب ما له وما عليه أصبحت البلاد فوضى أو سوقا تباع فيها الظمائر بسعر بخس. وتتبادل فيها الأدوار والاقنعة بين السياسيين ورجال الدين وأصحاب المصارف الكبرى وتجار السلاح والمرابين.

 

ففي زمن بعيد ولكنه قريب جدا منا. كانت الشعوب إذا تظاهرت تسقط الحكومات وتتغير الأنظمة. وكان للشعب في اي مكان سطوة وهيبة واحترام ويحسب له ألف حساب. لكن هذا الزمن، مع الاسف الشديد، انتهى إلى الأبد. وكل ما يمكن أن يفعله الشعب في حاضرنا البائس هو الذهاب الى صناديق الاقتراع لاختيار نفس البضاعة "السياسية" الرديئة التي سبق له وان شاهدها معروضة ومكدسة في واجهات الدكاكين السياسية المنتشرة في كل حارة وزقاق.

 

ربما لم يخطر عل بال مكسيم غوركي أن الشعوب وصلت اليوم  إلى الدرك الاسفل من المذلة والانصياع والاستسلام واللامبالاة. ولكن من حسن حظه أنه عاش في زمن الشعوب التي صنعت التاريخ وساهمت في بناء حضارات كبرى لا تنسى. خلافا لنا نحن الذين نعيش في زمن "الشعوب" المنسية والمركونة في زاوية معتمة ومهملة من التاريخ، لا يراها احد سوى من يدفعه الفضول او الشماتة بما نعاني...