
حين يضيق الشاطئ... وتتسع الحدود
نوال عايد الفاعوري
ليس البحر دائما مساحة من الماء بل كثيرا ما يكون مرآة للأوطان
ففي كل موجة تعبره حكاية
وفي كل شاطئ يقف إنسان ممزق بين مكان لم يعد يحتمله وآخر لا يعرف إن كان سيحتويه
وحدها البحار تحفظ أسرار الذين غادروها وتعرف أن الهجرة ليست رحلة إلى الشمال بقدر ما هي هروب من جنوب ضاقت فيه الحياة حتى لم يعد يتسع لأحلام أبنائه
لهذا عادت إلى ذاكرتي عبارة في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للروائي السوداني الكبير يقول فيها:
«كنت أفكر وأنا أرى الشاطئ يضيق في مكان، ويتسع في مكان.»
لم تكن تلك العبارة مجرد وصف لجغرافيا متحركة بل بدت وكأنها استعارة دائمة لحركة التاريخ نفسه
فالشواطئ ليست هي التي تضيق أو تتسع بل الإنسان نفسه تضيق به الأرض حتى يصبح البحر بكل ما يحمله من خوف أكثر رحابة من اليابسة
وحدها الأرواح تعرف كيف تضيق حتى لا يعود الوطن يتسع لحلم واحد
وكيف تتسع فجأة لبحر كامل رغم ما يخبئه من غرق ومجهول
الشواطئ لا تضيق وتتسع وحدها
بل تتبدل معها مصائر الشعوب وتتغير خرائط الأحلام والهزائم
بالامس ضاق الشاطىء في طنجة واتسع في "سبتة" واندفعت الحشود لا بحثا عن أرض جديدة بل هربا من واقع ضاقت فيه الأحلام واتسع فيه الظلم
حشود الشباب الهارب بأحلامه من اوطان اختصت في قتل الاحلام ترجمت لحظة درامية وتراجيديا اسقطت ورقة التوت عن اخر ما تبقي من كذبة الاوطان المحررة لم تكن تلك الحشود تبحث عن ارض جديدة على طريقة اسلافهم الفاتحين وهم يحرقون مراكبهم في تلك الفتوحات
بل كانت استجارة بالمستعمر القديم من ظلم الحاضر وعبثه
وهي صورة لا تخص المغرب وحده بل تكاد تختصر مأساة معظم الأقطار العربية حيث تضيق الأحلام كل يوم فيما يتمدد الظلم والقهر حتى يصبح الوطن مكانا يدفع أبناءه إلى الهروب منه بدل الدفاع عنه
وليس كل عبور هجرة فبعضه شهادة إدانة لأوطان ضاقت بأبنائها قبل أن تضيق بهم الحدود...!!!
في كل مرة يقف فيها شاب على حافة المتوسط لا يبدو البحر ماء يفصل بين ضفتين بل مسافة بين حياة مؤجلة وأخرى يتخيلها أكثر رحمة
وحين يقرر أن يعبر لا يكون قد انتصر على الخوف بل يكون الخوف قد انتصر على كل شيء آخر
هذه المرة لم تكن الممالك المسيحية هي التي تزحف لاستعادة الأندلس
ولم تكن الملكة إيزابيلا تمضي لتوحد ممالك قشتالة وأراغون خلف الملك فرديناند من أجل إسقاط غرناطة آخر معاقل المسلمين
ولم يكن عبد الله الصغير يطلق زفرته الشهيرة وهو يودع ملكا لم يحافظ عليه كما يحافظ الرجال على أوطانهم
بل انعكست الصورة تماما
أحفاد الجنوب هم الذين يهرولون اليوم نحو الشمال لا فاتحين بل هاربين
لا يحملون السيوف بل يحملون الخوف والجوع وانكسار الحلم
إنها مفارقة تاريخية لافتة فمن المكان الذي عبر منه طارق بن زياد فاتحا الأندلس يحاول اليوم آلاف الشباب عبور البحر في الاتجاه المعاكس لا حاملين رايات النصر بل أحلام النجاة وكأن التاريخ قد قلب ساعته الرملية فتحولت رحلة الفتح
إلى رحلة فرار
كم هي غريبة لعبة التاريخ فمن المضيق الذي عبره القادمون ذات يوم وهم يحملون يقين الفاتحين يعود العابرون اليوم مثقلين بخيبة المنهزمين
الطريق واحد لكن المعنى تبدل
والسفن التي كانت تمضي نحو الأفق بثقة صارت قوارب صغيرة تبحث عن مكان لا يطرد أصحابها
تظل سبتة ومليلة من أكثر بقاع العالم عنادا للجغرافيا والتاريخ معا
اجتمعت أعظم قصص التدافع الحضاري وظلت رواية التاريخ مبتورة وغير منصفة.. ففي رقعة صغيرة جدا من هذه الارض الواسعة تلتقي الحضارات وتصطدم وتتداخل ذاكرة العرب والأمازيغ والإسبان
والامبراطورية التي غابت عنها الشمس في كل مكان ولكنها ما زالت ترفع علمها فوق جبل طارق من ذات النقطة التي عبر منها طارق بن زياد واحرق خلفه المراكب
ومنذ سقوط إمارة بني الأحمر في غرناطة واستيلاء البرتغاليين ثم الإسبان على سبتة ومليلة بدأ التاريخ يكتب رواية مختلفة رواية ظلت الجغرافيا تعاندها حتى اليوم
وخلال عقود طويلة تحولت المدينتان إلى نافذة أوروبية مغرية بينما بقيت المناطق المغربية المحيطة بهما تعاني الفقر والبطالة ولم يجد كثيرا من أبنائها سوى التهريب أو الهجرة غير النظامية بوصفهما مخرجا من واقع يزداد قسوة
هناك عند تخوم سبتة ومليلية لا تتجاور اليابسة والبحر فقط بل تتجاور الأزمنة أيضا
يلتقي الماضي بالحاضر وتتنازع الذاكرة والجغرافيا على رواية واحدة لم تنته بعد كأن التاريخ لا يكرر نفسه بل يعيد طرح الأسئلة ذاتها بوجوه جديدة
وليس أكثر قسوة من أن يصبح الوطن مكانا يغادره أبناؤه وهم يدركون أن البحر قد يبتلعهم ومع ذلك يفضلون المجهول على اليقين الذي تركوه خلفهم
لا يعرفون من كل ذلك إلا أن الحلم أصبح في الضفة الأخرى وأن الطريق إليه يبدأ بخطوة فوق الماء
ربما لا تكون المأساة في أن الحدود ما تزال قائمة بل في أن الأوطان نفسها صارت حدودا وحين يحدث ذلك يغدو البحر أقل اتساعا من اليأس وتصبح الأمواج على قسوتها أكثر حنانًا من اليابسة
هكذا يواصل المتوسط كتابة حكايته القديمة لا بوصفه بحرا يفصل بين الشمال والجنوب بل بوصفه مرآة يرى فيها كل طرف ما فقده في نفسه
ولعل السؤال الذي يبقى معلقا فوق مياهه ليس: من سيصل؟ بل: ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يضع حياته كلها في كفة وأمله الغامض في الكفة الأخرى ثم يختار البحر؟
عندما يصبح الوطن مكانا يهرب منه أبناؤه لا يعود السؤال: كيف وصلوا إلى الشاطئ الآخر؟
بل يصبح السؤال الأشد قسوة:
ما الذي جعل أوطانهم تضيق إلى هذا الحد حتى بدا لهم البحر بكل ما فيه من موت أكثر رحمة من اليابسة؟
نوال عايد الفاعوري
