
من رحم النضال/ 44
د. مزاحم مبارك مال الله
لا أعرف… هل اسودّت الدنيا أم ابيضّت أم تلوّنت؟ أم أنني أنا من فقد التركيز؟ خبرٌ صادم تحوّل إلى حقيقة، بعد أن كان مجرد خيال يجول في رأسي.
أن تتوقّع الشيء فهذا شيء، وأن يتحوّل إلى قرار رسمي فهو شيء آخر تمامًا.
فكما تم قبولي بقرار وزاري في الجامعة على قدر مجهودي الدراسي في السادس الاعدادي، فقد تمّ لفظي إلى الشارع بقرار وزاري أيضًا وبجهودي اللامبالية للدراسة.
الزميلات والزملاء، الرفيقات والرفاق، لم يستغربوا. فما حدث – في نظرهم – كان نتيجة طبيعية، سببه أنا… وسوء تقديري، وإهمالي للدراسة.
"ماذا ستفعل يا مزاحم؟"
"ما هو مصيرك؟"
"ماذا ستقول لأهلك؟"
"هل سنراك مرة أخرى؟"
"شدّ حيلك…"
عشرات الأسئلة والكلمات كانت تنهال عليّ من كل جانب.
دخلتُ دوّامة المستقبل المجهول.
مرّت أيام قليلة… سريعة في عدّاد الزمن، لكنها ثقيلة جدًا في شعوري، كنت أحاول خلالها استيعاب الصدمة وما يترتب على قرار الفصل.
بعد نقاشات طويلة مع الزملاء، كان الهم الأكبر يحمله عني ابن خالتي عدي، وزميلي العزيز الرفيق هامبو، الذي تطوّع من أجلي، وسافر إلى بغداد خصيصًا ليمهّد الأجواء أمامي مع أهلي.
لملمتُ أغراضي… تبرّعتُ بكتبي للحزب… وغادرتُ الجامعة خالي الوفاض، بعد أن أكملت كل الإجراءات الرسمية التي وثّقت فشلي وخسارتي.
لم يبقَ أمام عيني سوى صور رعاة الأغنام في بوزان وبيبان، وكانت كلمات الرفاق أبو باز، وأبو جاسم، وأبو مكسيم، تتردّد في ذاكرتي… خصوصًا الأخير (أبو مكسيم)، الذي تعرّفت عليه قبل يوم أو يومين من مغادرتي لتلك القرى الجميلة.
ومن بين المودّعين: عدي، وباسل، وحسن…
لم يخطر ببالي أبدًا أن ذلك الوداع سيكون الأخير مع الرفيق باسل الصفّار، الذي علمت لاحقًا أنه عانى من فشل كلوي بسبب البرد القارس في جبال كردستان، أيام نضال الأنصار الشيوعيين، ثم غادرنا إلى الخلود من منفاه في كندا.
وصلتُ بغداد…
وكأنني مُدان، ينتظر تنفيذ حكمٍ صادر عن محكمة التاريخ والزمن والمجتمع والعائلة…
حكمٌ بالإعدام شنقًا.
(يتبع)
