
المسؤول المصاب بلعنة المعرفة..!!
هايل علي المذابي
في عوالم المناصب بشتى أنواعها، لا يكاد أي فردٍ يحصل على هواه وما يحلم به من موقع يمنحه صلاحيات كثيرة وهبات عظيمة، إلا ويصاب بلعنة المعرفة، ويسيطر عليه التمركز حول ذاته، والانغلاق المطلق على وضعه الاقتصادي وما ينعم فيه من ترف.
إن المسؤول الذي كان ذات يوم يطلب المساعدات من مديره في القسم أو الوحدة التي يعمل بها، قد ذاق طعم الويل ومرارة العيش وعرف ما يعانيه الآخرون من أبناء وطنه، وكان قبل أن يحصل على ذلك المقام المرموق قد أقسم على نفسه أن يكون تعيينه شفاءً ورحمةً لمن شعر بقسوة الحياة عليهم عندما كان واحدا منهم؛ لكن ورغم كل ذلك، فقد حنث بيمينه وقسمه، وأصيب بلعنة المعرفة بمجرد حصوله على ذلك المنصب الرفيع.
إنهم لا يتذكرون شيئاً طالما هم يحصلون على كل شيء ولا ينقصهم شيء، ويعتقدون أن جميع الناس مثلهم، بل وأحياناً تكون هناك شطحات عظيمة في مخيلة المسؤول فيعتقد أنهم جميعا أفضل منه ولكنهم لا يظهرون ذلك لأحد خوفاً من الحسد والعين التي قد تصيبهم من الآخرين فتزول عنهم النعمة.
رغم ذلك فثمة في عالم المال والأعمال والمناصب الوزارية والأكاديمية، نماذج حية لشخصيات عظيمة لم تصبهم "لعنة المعرفة"، لولا أنها قليلة جدا، وما زال شعورها يتعاظم في كل يوم تجاه الآخرين، بشكل يجعلنا نخجل من أنفسنا لأننا لم نقدم جزءا بسيطا مما تقدمه. فهناك من يعتلي أعلى المراتب الوزارية والعلمية والإدارية، ويمتلك أدوات التأثير والمال، ومع ذلك لا يرى في هذه المواقع غاية شخصية، بل يراها وسيلة خالصة لخدمة الإنسان ومداواة جراحه.
هذه القلة، تكرس جزءاً كبيراً من عوائد أعمالها ووظائفها لتمويل الطلاب الذين لا يملكون تمويلاً، بل وتفعل ذلك في الخفاء وبطرق تحفظ كرامة المستفيدين عبر الوسطاء، حتى لا يشعر أحدهم بالذل أو الخجل في أي يوم. وما تحققه من أرباح وأجور متواضعة في أعمالها ومشاريعها، يذهب الكثير منه في شكل حصص ودعم شهري لعائلات كثيرة، بعضها في وطنها وأخرى في أماكن لا يعرفها أحد سواها.
إنها نماذج يمكن وصفها بما وُصفت به الحكمة عبر التاريخ؛ أُتيِت من الحكمة والمعرفة ورجاحة العقل والإخلاص والذكاء والقدرة على التحمل وحسن التدبير. ولعل هذه الصفات تنطبق على من يعرف قدر نفسه وقدر الآخرين، فلا جشع يحرضه على النهم الشديد لكسب الأموال بأي طريقة كانت، ولا بخل يجعله يمسك يده عن العطاء، ولعل الإنسان الحيّ الضمير هو فقط من يفعل هكذا ويتصرف بهذه الطريقة.
إنهم مدهشون بحق؛ يعملون في ميدان المال ومعاملاته، أو في عوالم المناصب الوزارية أو الدبلوماسية، لكنهم لا يرون في المال أي غاية، بل يرونه دوماً وسيلة فقط، ويحرصون على تسخيره في خدمة الآخرين والمحتاجين. ورغم أنهم عندما كانوا في بداية طريقهم يدرسون ويتعلمون، كانوا يعملون بدوام إضافي من أجل الحصول على عون يسمح لهم بإكمال أبحاثهم ودراستهم، لكنهم لم ينسوا قط ذلك قط. وكلما وجدوا شخصاً يحتاج إلى أن يتعلم وتمنعه الظروف، لا يترددون لحظة في أن يمدوا له يد العون والمساعدة وبسخاء.
إنهم الرواد الذين لا يكذبون أهلهم ولا يغشون قومهم.
ولعل من ممكنات القول إن مصطلحات إنسانية كالأمل والطموح والتحدي لم تزدهر إلا في البيئات التي يواجه فيها الشباب شظف العيش والظروف الصعبة، ولأن ثمة من يدرك ذلك جيداً بمعرفته العميقة بالواقع الإنساني، تجدهم أكثر الناس حرصاً على ألا يقابلوا شخصاً له طموح فلا يقدموا له المساعدة، مادّين له يد العون لينجح ويستمر في النجاح، ولا ييأس مما يحيط به مهما كان محبطاً.
إنها دعوة لأن يبقى الإنسان بمعرفته وعلِمه ومنصبه، إنساناً للمحبّة والألفة وصناعة الحضارة والمعامرة بعيداً عن غوايّة السلطة ولعنة المعرفة المتعالية.
