للذهاب الى صفحة الكاتب   

هل ستسلّم الميليشيات "العراقية" سلاحها للدولة؟

ناظم ختاري

 

 

مشكلة العراق ليست واحدة، بل هي مجموعة واسعة من الأزمات المتشابكة، غير أن منبعها واحد،المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية. فبعد سقوط النظام، تسلّم المتحاصصون دولة ممزقة من يد الأميركيين، لكنها كانت تمتلك خزينة طبيعية مليئة بالموارد القادرة على إنتاج الأرباح. جرى تقسيم هذه الموارد بين أقطاب المحاصصة، لا بهدف إعادة بناء البلد، بل بهدف الاستقواء بها ودفعه نحو اللا دولة التي تهيمن عليها الميليشيات المنبثقة من صراع المال والنفوذ منذ تأسيس جيش المهدي بقيادة التيار الصدري. وتعددت أسماء هذا الجيش بعد أن ارتكب ما استطاع ارتكابه من جرائم السيطرة على الموارد والنفوذ، وصولاً إلى صدامات مسلحة حتى مع جيش الدولة القائم هو الآخر على المحاصصة.

 

تعددت الميليشيات لاحقاً، ومارست البطش في كل مكان، وتحولت شوارع المدن العراقية إلى ساحات انتقام. وفي المقابل، برزت على سطح "العملية السياسية" قوى مضادة مارست إرهاباً غير مسبوق، وانتعشت بموازاة الميليشيات بدعم وسلاح الجوار، فامتلأت زوايا الوطن بمرتزقة القاعدة. ثم تطورت هذه الجماعات إلى "دولة الخلافة الإسلامية"، وانتشرت الكراهية المجتمعية على أساس المحاصصة نفسها، فتحولت إلى جرائم بشعة مثل الإبادة الأيزيدية في سنجار، وتهديد بقية مناطقهم بالإبادة، ومجزرة سبايكر، واحتلال مساحات واسعة بين العراق وسوريا. استنزفت هذه الحقبة أموال العراق ودماء أبنائه، وفي المقابل وفّرت غطاءً لنشوء المزيد من الميليشيات بعد فتوى السيد السيستاني، وهي دعوة جاءت لحاجة زمانية محددة، لكنها تحولت بعد القضاء على داعش إلى أذرع عسكرية لقوى سياسية مرتبطة بإيران، التي باتت تحركها وتنفذ من خلالها أجنداتها التوسعية، حتى تمكنت من مصادرة القرار العراقي في ظل غياب أي حاجة وطنية لبقاء هذه المجموعات.

 

أكثر من ذلك، استخدمت إيران هذه الميليشيات في صراعها الإقليمي في سوريا ولبنان واليمن، وتحولت مقراتها داخل العراق إلى معسكرات تدريب لميليشيات شيعية من تلك الدول، بإشراف خبراء إيرانيين بشكل علني، حتى أصبحت تهديداً جدياً في صراع إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولأمن دول الجوار واستقرار إقليم كوردستان.

 

اليوم، وبعد تنصيب الزيدي رئيساً للحكومة العراقية، وضع في مقدمة برنامجه محاربة الفساد وتجريد الميليشيات من السلاح، مؤكداً أن "الدولة تحتكر القوة"، ومحدداً سقفاً زمنياً لذلك. لكن السؤال،هل يستطيع الزيدي إنجاز هذا المشروع في القضيتين اللتين تؤرقان العراقيين؟

 

من وجهة نظري، لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى قدرة الزيدي على ذلك، رغم الدعم الشعبي الواسع والدعم الدولي القوي الذي لا يعرف أو لا يريد توظيفه بشكل مناسب لتحقيق أهدافه، خصوصاً في القضيتين محل النقاش. فالقضاء على الميليشيات أو تجريدها يتطلب، في الظرف العراقي الراهن، ثلاثة أمور أساسية.

1. تجفيف منابع تمويل الميليشيات، والتمويل بيد القوى المتنفذة ومسؤولي الصف الأول في الدولة العراقية، وإجراءات مكافحة الفساد لم تطلهم حتى الآن.

2. تفكيك نفوذ الموالين لإيران داخل الحكومة ومؤسسات الدولة والبرلمان، وهم يتفاخرون بولائهم لها بشكل صارخ.

3. تجفيف منبع السلاح، وهو إيران نفسها، رغم محاولات الزيدي لتأسيس علاقة مختلفة معها، لكنها لم تتجاوز التصريحات المتناثرة.

لذلك أقول: إن خرج سلاح الميليشيات من يدها اليسرى سيعود إلى يدها اليمنى، لأنه لا توجد مؤشرات على إرادة سياسية قوية وجدية للمضي حتى النهاية في هذا الاتجاه. وبقاء هذا الوضع، إلى جانب الأزمات الأخرى مثل الرواتب وعجز الحكومة عن توفيرها، يشكل قنابل موقوتة ستنفجر في الوسط العراقي، وتخلّف وضعاً هشاً غير محمود العواقب.