
يوميات حسين الاعظمي (1474)
محمد القبانجي رمزنا المقامي
(1901–1989)
مقالة منشورة في جريدة الجمهورية في 28 /3 /1993 في ذكرى وفاته الرابعة.
***
منذ بداية ظهور محمد عبد الرزاق الطائيالقبانجي مطربا مقاميا عراقياً في العقود الاولى من القرن العشرين، ظهرت امكانياته الصوتية الفذة واتجاهاته الجمالية المتمردة آراؤه التجديدية المناهضة للقديم. حيث ترأس حملة التجديد في طرق الاداء المقامية من خلال تسجيلاته المقامية الاولى في ألمانيا ومصر العربية في عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم. الامر الذي احدث ضجة اعلامية كبيرة في تناقض الآراء بقيت آثارها حتى اليوم..! فقد شُنت عليه منذ البداية حملات نقدية شعواء بين معارض ومؤيد لمثل هذه التطلعات التجديدية. بحيث احتدم الجدل في تلك الحقبة من الزمن ولاتزال اثارها باقية عند المحافظين القدماء والاجيال الحالية. وصار النقاد والصحفيون والكتاب والمهتمون بشؤون المقام العراقي يتبادلون عجالات جدلية متحمسة(تسقط طريقة القبانجي…تحيا طريقة القبانجي) ولم يقفل باب المناقشة لهذا السبب بل سيستمر او سيعاود الموجودون الآن الهجوم في الوقت الحاضر وحتى في المستقبل بين من مازال يعارض وبين مؤيديها الكثيرين بسبب التطور المستمر الحاصل لوسائل الانتشار والتعليم الموسيقي. فالأداء المقامي والمكونات السلّمية الموجودة في البناء اللحني لموسيقى وغناء المقام العراقي الموروثة عن القرون الكثيرة الماضية. توحي بأنطباع من التماسك بحيث نشعر بقدم الاصالة التأريخية وما يحويه من تراكمات حضارية عريقة. وكذلك نشعر بصعوبة مواءمته كشكل ومضمون للواقع المعاش، وهي حاجة طبيعية لاختلاف روح العصر لكل جيل من الاجيال، والمغني الذي يريد حث المستمع على الالتزام وتنبيه شعوره الى شكل العصر الذي يعيش فيه، انما يسبغ على هذه المشاكل معنى اعتباطياً..!! كل شيء اذاً في المقام العراقي التقليدي تمويه، ومن الواجب اعادة التفكير في طبيعة طرق ادائه. ويبدو ان هذه المشاحنات التي دارت حول المقامات العراقية وطرق ادائها، ادت بصورة خاصة الى نتيجة معينة. هي المحاولات الجدية الى تجديد الطرق الادائية للمقام العراقي بعمق. والتي بدأت بشكل بسيط حتى تعمّقت وتبلورت عند محمد القبانجي. فقد اعقبت آثار محمد القبانجي التي غدت إنموذجاً للمقام العراقي المعد المصنوع، مقامات معدة شملت كل مقاماته، حتى التي استحدثها بأبداع فذ مثل مقام اللامي والحجاز كار كرد والحجاز كار والقطر وغيرها.
ان القابلية الفذة التي يمتلكها استاذنا محمد القبانجي في عملية الانتقال من نغم الى نغم ومن سلم الى سلم ومن جنس موسيقي الى جنسن آخر خلال الاداء، وادراكه العجيب بتماسك هذه العلاقات ومن ثم صياغتها بشكل انسيابي مريح، مما ساعد على خلق حال لا يستطيع فيه المستمع بل حتى احيانا المتخصص ان يفهم تفصيلات المحتوى الموسيقي الفني لادائه..! وهو في حاله هذا ينطلق من هذه الامكانية والمعرفة التجريبية بالانغام والسلالم الموسيقية وعملية التنوع والتجول بها وربطها مع بعضها بشكل جميل فذ. بيدَ انه في نفس الوقت لا يترك المستمع تائها وحده، فهو يرتبط معه بمحاكاة تعبيرية تجعل الصلة بينه والمستمع وثيقة جدا..! تغني عن الغموض الفني الموسيقي الذي قد يشعر به المستمع اثناء سماعه لمحمد القبانجي..!! لذا فان القبانجي همه وهاجسه المستمع..!فهو اذن يوازن بين الفن والتطريب، وهي عملية نسبية، وبصريح العبارة اقول. انني لم استمع الى أي مطرب مقامي عراقي، سواء سمعته عن طريق جهاز الصوت او من الذين عاصرتهم. الى وجود مثل هذه الامكانية الفذة في التجول والتنوع بين الانغام والسلالم داخل العمل الواحد..! مثل وجودها عند استاذنا محمد القبانجي. فهو قائد في غنائه، ومدير لعمله الغنائي كله. يمسك بتلابيب المستمع ولا يتركه الا بعد ان ينتهي من الغناء ويتأكد من تطريبه وانتشائه..! عند ذلك يشعر انه وصل الى غايته النبيلة في تحقيق رسالته. هي موهبة اذن..!! وهي خبرة. وهو يفهم من خبرته ان الركيزة الاساسية في العمل الفني الغناسيقي حصيلتها هي علاقته بالمستمع، فهو اذن وعلى الرغم من التزامه بالاصول التقليدية للمسارات اللحنية للمقامات العراقية او التزامه بالشكل الغنائي المقامي عند الاداء، يختزل بعض الاجزاء التقليدية الثانوية بتصوره على الاقل، والتي يرى لا داعي لوجودها مع اضافة الكثير من عندياته..! من هنا فقد جاء بالكثير من الجديد حتى امسى صاحب اسلوب وطريقة غنائية فردية خاصة لا تضاهى..! بزّت الطرق التي سبقته بحق. وقد سمعت مرّة من احد الاصدقاء، بأن القبانجي قال مرة( ان العمل الغنائي والموسيقي، القضية فيه قضية تطريب، يمكن فيها التساهل ببعض الاصول التقليدية)..! اذن هو يحاول، بل يجيد ربط وتقوية علاقته بالمستمع حتى لو ضحى ببعض الامور المعتادة..! انها عملية موازنة ذكية، وهو في اسلوبه هذا يريد ان يقول بأن بعض الاجزاء او الجمل الغنائية التي تدخل ضمن قضية الاصول التقليدية للمقام العراقي قد استهلكت ولا داعي لتكرارها في هذا العصر. فهو اذن يجنح الى الارتباط بروح العصر ومتطلباته.
قد تتصور عزيزي القارئ وانت تقرأ هذه الاسطر بأن القبانجي قد تجاوز على المقام العراقي، فاقول لك تمهل ولا تسرع في تصورك. ذلك ان محمد القبانجي مطرب فذ بكل المقاييس، وهو يفهم مهمته، وهو عبقري في ذكائه الفني، وفي كيانه اصالة وثقافة تقليدية لهيكل المقام العراقي وتعبيره وحلاوته. وهو حريص كل الحرص على كيانه التاريخي الحضاري كتراث امة عظيمة سادت العالم في احدى مراحل التاريخ، وهو قد اكد ذلك فعلاً من خلال تسجيله للمقامات العراقية في بداية ظهوره، على وضعها التقليدي القديم، فهو اذن دونها تاريخيا، وهو اذن لا يحاسب على معرفتها او فهم اغوارها. ولكنه بعد تسيده للساحة الغنائية في العراق وبغداد على وجه الخصوص، بدأ بتهذيب الكثير من متطلبات الاداء المقامي الملائم للفترة الزمنية التي عاشها، وجاء بالكثير من عندياته من خلال الابتكار والاضافات وغيرها، وعرضها بشكل يواكب روح عصره، بل سبقه في التعبير واحدث وضعا فنيا قلب فيه جميع الموازين في الاوساط الغنائية المقامية العراقية، حيث تخلّى في بعضها عن المحلية في الابداع من خلال تأثره ببعض مشاركاته الخارجية في بعض المهرجانات واطلاعه على حال الفن خارج حدود العراق.
من خلال متابعتي ومعايشتي للوسط المقامي، وممارستي لغناء المقام العراقي والاستماع اليه من شتى المؤدين. فقد لاحظت منذ البداية ان معظم الابداعات المقامية العراقية التي ظهرت في القرن العشرين لدى المؤدين الآخرين، كانت جذورها من اشعاعات وانجازات وافكار محمد القبانجي النيِّرة..! التي استطاع في معظمها ان يصل بها الى الذروة في الابداع، ووصلت بعده الى ذروة اخرى من الابداع لدى بعض من اتباعه المؤدين اللاحقين من الذين تأثروا به واتبعوه وحملوا لواء طريقته قدماً لتكملة مسيرة التطور الادائي للغناء المقامي البغدادي.
وليس من الغريب ان تكون معظم المقامات العراقية التي سجلها القبانجي في تاريخه الحافل، سواء على الاسطوانات او على الاشرطة المسجلة او في الاذاعة والتلفزيون كانت ناجحة بحق. من حيث المنظورالفني العام للاداء المقامي العراقي وجماليات ادائه، ولو استمعنا الى هذه المقامات العراقية لبدا لنا مدى الحبكة المتقنة في ادائه لها وصياغتها الفنية الغناسيقية. رغم بعض تعقيدات البناء اللحني لبعض المقامات، بيد انه كما عهدناه، يغلفها ويؤطرها بالتطريب والتعبير المقامي البغدادي وبالنتيجة فأننا نشاركه عواطفه ومشاعره.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.

صورة واحدة / رمزنا المقامي محمد القبانجي.
