للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 46

د. مزاحم مبارك مال الله

 

ها وقد أصبح الخيال حقيقة…

أصبحتُ أسيرَ الملابس العسكرية، والبسطال، والبيريّة، وأداء التحية، وكلمة "سيدي".

الأمر الذي هوّن عليّ ما أنا فيه هو طبيعتي وقدرتي على التكيّف مع الظروف، والتعايش معها دون يأس، أو التوقف في مكاني متسمّرًا عند الفشل، أو الانشغال بالنظر إلى الوراء، رغم قساوة الحال.

كان مفروضًا عليّ أن أنام مبكرًا وأن أنهض مبكرًا؛ فالتأخير يعني العقوبة، وأنا لست في موضع أُهان فيه أو أتعرض لعقوبة.

كان بيتنا في القادسية، مقابل البياع، قريبًا من مدرستي السابقة المجاورة لخزان الماء العالي. لذلك كان لزامًا عليّ أن أنهض في الثالثة فجرًا، وأرتدي الملابس العسكرية (وكنت أشعر أنني مسخ)، وأغادر البيت بعد نصف ساعة، لأكون في الساعة الرابعة والربع في كراج العلاوي. ومن هناك أستقل سيارةً إلى المعسكر، حيث توجد خطوط نقل خاصة تعمل لهذا الغرض. كان يجب أن أكون حاضرًا في ساحة العرضات عند الخامسة صباحًا.

تم تسويقي إلى الخدمة كوني طالبًا جامعيًا زالت أعذاره بسبب فصله من الجامعة، فاحتُسبتُ كخريج إعدادية، وأُلحقتُ بفوج الدفاع والواجبات الثالث مشاة في معسكر الرشيد. وكنت الوحيد فيه، بل وربما في المعسكر كله، من الجنود الذين يحملون شهادة إعدادية. وفي التدريب، لا يميّزون بين الأميّ وحامل الدكتوراه.

درّبونا على الطاعة بلا نقاش، وعلى الصرامة والقسوة والالتزام بالثانية. ورغم القفشات التي كانت تحصل هنا أو هناك مع العرفاء المتطوعين—وجلّهم أميّون—إلا أن ذلك لم يكن يخفف من قسوة المعاناة.

كان هناك تعداد صباحي في الخامسة، وآخر في الثالثة بعد الظهر، وبعده يُؤذَن لنا بالانصراف. أصل إلى البيت بحدود الخامسة مساءً، مع مراقبة الطريق بحذر من الانضباط العسكري، الذي كان أفراده يحاسبون على كل شاردة وواردة، خصوصًا في الكراجات.

وهكذا دخلتُ في دوّامة روتينٍ سخيف، بدا لي كنفقٍ مظلم دخلته بإرادتي، لكن في الوقت نفسه كان الأمل يتملكني بأن هذا الوضع ليس لي، ولا أستحقه، ولا بد أن أستعيد "مزاحم" الحقيقي.

هوّن عليّ ما أنا فيه زيارات زملائي القدماء: (هـ.ث.م.)، وكنت—وما زلت—أطلق عليهم "الجذور".

كانت الحياة التي عشتها في غاية القسوة والصعوبة، وما خففها هو احتضان أهلي لي ومحبتهم الفائقة، وكأنني لم أرتكب الخطيئة الكبرى.

بدأت أشغل نفسي بالرسم. أنا لست رسامًا محترفًا، لكن لديّ ميول فنية منذ المرحلة المتوسطة، فعدت إلى هوايتي في تكبير الصور. فرسمتُ صورًا لـ ماركس، وإنجلز، ولينين، وفهد بأحجام كبيرة، وعلّقتها في الغرفة التي كنا نأوي إليها أنا وأخواي—الأصغر والأكبر—اللذان كانا غالبًا خارج البيت. أما الباقون، فمنهم من تزوج وسكن في مكان آخر. أصبح البيت الواسع يؤوينا أنا ووالديّ، وكرّست نفسي لخدمتهما.

(يتبع)