منظمات المجتمع المدني والسيستاني

سعد السعيدي

 

 

شيء رائع ومريح ما رأيناه هذه السنة وما قبلها من مبادرة مجموعة من المثقفين والناشطين بالتوجه نحو الرأي العام العراقي، لتحريك الملفات الوطنية لغاية حماية مصالح البلد وإخراجها من الزوايا التي حشرها فيها الفاسدين والدائرين في الافلاك الاجنبية. بيد اننا نرى ان هذه المبادرات حتى مع التأثير الذي انتجته والاهداف التي حققتها ليست بالكافية للحصول على اعلى ما يمكن الحصول عليه من نتائج. فالبلد فيما نرى ما زالت تعمه الفوضى.

 

فبعد سقوط النظام السابق ظهر في البلاد رجال دين ومعممين شجعهم تأثيرهم على الناس على ممارسة ادوار لا تصب في صالح البلد وتعارض الثوابت الديمقراطية وهو امر غير مقبول. هذه الثوابت التي تجعل من الشعب صاحب الحق الاول والاخير في تقرير ما تكون مصلحته وما لا تكون. اننا لهذه الاسباب نعتقد بضرورة خروج المنظمات المدنية بمبادرات لوضع الامور في نصابها بشكل ابعد مما قامت به لحد الآن.

 

بهذا فاننا ندعو المنظمات المدنية والعلمانية والمثقفين والناشطين للمبادرة بالتواصل مع السيستاني مجتهد النجف للكلام والاتفاق معه حول الامور التي تخص البلد. فالسيستاني هو رجل دين يمثل إحدى طوائف العراق، وهو ذو نفوذ كبير بين اتباعه وفي باقي البلد. بيد ان ليس كل البلد هم من اتباعه ومقلديه ودينه حتى وإن كانوا من نفس مذهبه. وهو يتوافر عدا هذا على تأثير ونفوذ خارج العراق ايضا. إذ ان لديه اتباع ومقلدين في كل بلدان العالم التي تتواجد فيها مجاميعا من طائفته. وهو ما يجعل منه شخصا ذو تأثير يتجاوز حدود البلد. والسيستاني ومع توافره على هذا النفوذ ليس منتخبا إلا من اشخاص لا يتجاوزون فيما نعلم عدد اصابع اليد، بينما يعيش في بيئة تفرض ان كل من يريد تبوؤ مركزا ذو اهمية وتأثير فيها ان يكون منتخبا في عملية يشارك بها كل البلد بشفافية واضحة يراها العالم كله ومعترف بها من قبل الجميع. فكيف يستقيم هذا مع الاستثناء الممنوح الى مجتهد النجف وربما اي آخرين مشابهين مع مركزه المؤثر ان يجري بطريقة اخرى ؟ إن هذا الوضع يجعله خاضعا لتأثيرات اخرى قد تكون خارجية لدفعه الى اتخاذ مواقف قد لا تكون في صالح البلد ومن يمثلهم. وغير هذا سيقوم هذا الرجل باتخاذ قرارات قد لا تصب نتائجها في مصلحة البلد مثلما اوضحنا آنفا. فإن لم يكن ممكنا التصويت الشعبي فلابد ان يكون الاتفاق بطريق الحوار مع المنظمات المدنية والعلمانية والناشطين.

 

لهذه الاسباب نرى بوجوب مبادرة هذه المنظمات بالتواصل مع المجتهد للكلام معه حول امور البلد وللاتفاق معه مثلا على عدم قيامه باتخاذ اجراءات تهم البلد دون اتفاق مسبق مع هذه المنظمات، ومع تجاهل للقوانين النافذة والصمت التام لدى التجاوز عليها كما سنرى ادناه.

 

من القوانين التي تجاهلها السيستاني هو قانون الاحوال الشخصية السابق في امر زواج القاصرات وتفخيذ الاطفال. والاخير هو ما قرره من خلال ذريعة الاجابة على سؤال وجّه اليه من قبل كذا وكذا من اتباعه. ونعتقد ان هذا القرار غير المسؤول هو ما مهد لإلغاء القانون السابق. وفي فترات سابقة اكتشفنا تدخله في كتابة الدستور عن طريق احد ممثليه وهو الذي لا يتوافر على اية خبرة فيه. ولم نفهم لحد الآن الفكرة من وراء هذا التدخل. وايضا هناك قصة تغول احدى ادارات العتبات التي يبدو لنا انه ممثلها، والتي بادرت الى تجريف اجزاءا من مدينة قديمة بعد استملاكها بحجة توسعة هذا وذاك من مبانيها هي. وهو مما لم يستند على قانون ومما لا يمكن اعتباره إلا استهتارا بالاخرى النافذة ويكون مرفوضا بالمطلق، وحيث قد رأينا صمتا مشابها لمجلس النواب عن الامر. فالعراق ليس مزرعة خاصة يمكن العبث بها كما يحلو للبعض. ولنا كمواطنين تهمنا مصلحة بلدنا ان نتساءل ايضا عن اموال التبرعات الهائلة الواردة الى العتبات والتي تعادل ميزانيات دول مجاورة وعن كيفية التصرف بها في غياب مؤسسات الدولة الرقابية بشأنها. كذلك ما رأيناه منه من صمت مطبق في ما يتعلق بفتاوى قتل اطلقها الخامنئي في فترة سابقة ضد الناشطين العراقيين ما شاء الله مما يمكن ان يفسر بانه تأييد ضمني. وهو ما يشكل جريمة وتجاوزا مرفوضا على امن الناس. ولا نعرف إن كانت له اهداف اخرى غير معروفة مثل ما يتعلق بنظرية ولاية الفقيه التي يراد تطبيقها في العراق غصبا عن انف سكانه غير فتوى الجهاد الكفائي التي لم يرد إغلاق ملفها وحيث نرى نتائجها السلبية هذه الايام على امن البلد. وليس السيستاني هو وحده الذي لديه اتباع ومقلدين خارج حدود بلده. فثمة رجال دين آخرين بمثل مرتبته لديهم مثل هذا التأثير والنفوذ الخارجيين. فهذا الخامنئي السابق لديه ايضا نفوذ واتباع خارج بلده كما في العراق مثلا. وهو امر لا نراه مقبولا كون ان الخامنئي ومع تقديمه لنفسه كرجل دين، فهو يحتل ايضا مناصبا سياسية وعسكرية في بلده الذي حوله الى ما يشبه المزرعة الخاصة. واي شخص بنفوذ مثل هذا يحاول نشره خارج بلده بهذا الشكل هو امر لابد ان يثير المخاوف على سلامة اي بلد يحاول مثل هذا الشخص فرض نفوذه فيه. إذ ان ثمة صراع اقليمي ودولي على العراق كما يعرف الجميع حيث كل يريد السيطرة عليه لخدمة مصالحه.

 

بهذا نرى بوجوب الكلام مع السيستاني حولها كما قلنا مع اعلان نتائجها التي لابد ان تكون لصالح البلد طبعا. وهذا بانتظار تشريع قانون ينظم علاقة المجتهد مع الدولة ويحدد وظيفته وعمله وما يجوز له وما لا يجوز على الاخص لكي لا يتحول نفوذه الى تأسيس دولة داخل الدولة. وهو طلب كنا قد وضعناه سابقا في مقالتين سابقتين لنا بشأن تجار العتبات واخرى بشأن تدخل ممثلهم في كتابة الدستور مما لم نرى لحد الآن من نتيجة له على الارض. نقول هذا مع قصور مجلس النواب وفساده وتراجع دوره وهو الذي كان يجب ان يقوم بهذه المبادرات بنفسه. ان معظم نتائج تصرفات السيستاني هي غير مفيدة للعراق كما يرى ويستنتج الكثيرون. وهو قد جرى من خلال سوء استخدام صلاحياته الدينية مما لا يمكن ان يستمر.

 

نرى كذلك بان المسؤولية الوطنية تحتم على المنظمات المدنية والعلمانية عدم الاقتصار في المبادرة على رجال الدين، وإنما التوسع والاتصال حتى مع السياسيين مثل رئيس الجمهورية والمسؤولين مثل رئيس مجلس القضاء للكلام معهم حول ما يتعلق بقوانين البلد التي يصادق عليها ومسؤوليتهم تجاهها. فالمصادقة على القوانين ليست مجرد إجراء روتيني يتوجب القيام به ثم نسيان الامر. إذ اننا قد لاحظنا بان هذا ما يحدث في الحقيقة. لذلك فاننا نرى بان على المنظمات الآنفة المبادرة كلما تراجعت او فشلت مؤسسات الدولة.

 

فيما يتعلق برئيس مجلس القضاء لابد من تواصل المنظمات معه للكلام حول سوء تصرف رئيس المحكمة الاتحادية غير المقبول. إذ قد رد الدعوى المقامة العام الماضي ضد رئيس مجلس النواب السابق لا ندري كيف بشأن تجاوزاته التي اقدم عليها لدى تمرير قانون القضاء الجعفري. والكلام يتعلق بطلب العدول عن قرار رد الدعوى وللاعلان عن عدم دستورية التصويت النيابي. فلا يجوز استخدام المحكمة كمنصة لقرارات غير قانونية. إذ ان رئيس المحكمة ومع كون قرارات الاخيرة باتة حسب الدستور فانه يمهد بتصرفاته هذه الى تحويل العراق الى دولة استبداد لن يمكن العيش فيها. وهو ما لا يجوز لكونه رجل قانون قبل ان يكون قاضيا. وكان عليه بهذا ان يكون اول المدافعين عن تطبيق القانون، لا مجاملة هذا وذاك على حسابه.

 

وسنكون بانتظار تحقق هذه المبادرات مع نتائجها..