للذهاب الى صفحة الكاتب   

أين نحن العرب من التحرر السياسي, والدولة الحديثة؟

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

 

     مئات من السنين خضعت فيها الأمّة العربيّة لشعوب غازية, اتخذت من الإسلام عقيدة لها, كالبويهيين, والسلاجقة, والأتراك, والأغز, والتتر, والمغول, والصفوين, والمماليك, والعثمانيين. وباسم الإسلام سيطرت هذه الشعوب على الدولة العربيّة وشعوبها.. أي منذ القرن الثالث للهجرة (التاسع ميلادي), مع بدء ضعف السلطة العباسيّة ووصول الخليفة "المتوكل" إلى سدّة الحكم برغبة المماليك السلاجقة, واستمرت حتى انتهاء الدولة العثمانيّة, لتخضع هذه الأمّة من جديد للقوى الاستعماريّة الغربيّة التي اعتبرت نفسها امتداداً للغزوات الصليبيّة, التي عملت ليس على زيادة تخلفها فحسب, بل وزيادة إضعافها أيضاً عندما راحت تجزأها إلى دويلات صغيرة لم تزل قائمة حتى هذا التاريخ. وعلى الرغم من أن قسماً كبيراً من هذه الدول ناضل من أجل استقلاله - وقد حصل عليه - غير أن العدد الأكبر منها لم يزل مرتهناً في قراره السياسي والاقتصادي لهذه القوى المستعمرة بشكل مباشر وغير مباشر, هذا إضافة إلى وجود الكيان الصهيوني وما يشكله هذا الكيان من معوقات لحركة التحرر العربي, حيث أُعيد هيكلة الكثير من الأنظمة العربية بما يخدم وجود هذا الكيان, وبالتي استمراريّة التخلف العربي بالضرورة. وهذا يعني في نهاية المطاف فقداناً أو غياباً للاستقرار السياسي العربي, الذي أخذنا نلمسه في ردود الفعل العربية السلبية (للحكومات) تجاه الكثير من التحديات التي تعرضت لها هذه الأمّة العربية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين, إن كان تجاه الاحتلال الأمريكي للعراق, أو حرب تموز في لبنان, أو حرب غزة, أو ما سمي بثورات الربيع العربي واليوم صفقت القرن ومشروع داوود وغير ذلك.

 

  أين موقع الدولة في مجتمعاتنا؟, وأين نحن من دولة القانون؟

     الدولة في سياقها العام هي أعلى سلطة منظمة تعمل وفق مؤسسات ناظمها الأساس أيضاً قوانين وتشريعات صادرة عن هيئات تمثل الإرادة العامة. وهذا في الحقيقة يمثل ما نستطيع تسميته بالدولة الحديثة, وكل دولة تفتقد إلى أحد مكونات هذه الدولة, هي دولة غير كاملة أو مبتسرة, أو دولة ما قبل الدولة.

 

     والأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا هنا هي: هل حازت الدولة العربية على مكونات الدولة الحديثة؟, أي هل هي تمثل فعلاً أعلى سلطة مستقلة في المجتمع؟, وهل هي تمتلك مؤسسات منتظمة بقوانين وتشريعات صادرة عن هيئة أو هيئات تمثل الإرادة العامة وتفصل بين السلطات. 

 

     إن المتابع لمسألة الدولة العربية يجد في الحقيقة أن هذه الدولة في معظمها هي دولة ما قبل الدولة, استقل قسم كبير منها مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين, وبعضها ظهر على الساحة في السبعينيات من القرن ذاته, هذا في الوقت الذي لم يزل قسم منها خاضع لإرادة الخارج, وحكوماته ليست أكثر من أدوات لتنفيذ الأجندات الخارجيّة, كل ذلك يؤكد عندنا أن هذه الدول لم تحوز بعد على صفة الكمال أو الحداثة, فالدولة كسلطة تقوم في معظمها على مرجعيات تقليديّة (عشيرة, قبيلة, طائفة, عسكر الخ..), لم تزل هذه المرجعيات تتحكم في تشريعاتها وقوانينها, وبالتالي إدارة مؤسساتها وحواملها الاجتماعيّة, الأمر الذي جعل منها دولة غنيمة للقوى الحاكمة, أكثر منها دولة تنمية وإعمار وقانون للمجتمع, وهذا أحد العوامل الرئيسة التي ساهمت ولم تزل تساهم في تخلف هذه الأمّة, بل وإعادة إنتاج هذا التخلف الذي راح يتجلى واضحاً عبر كل المستويات من حيث الجوهر, بغض النظر عن ما نلمسه من تطور في حالات الشكل (العمران) التي أخذت تشمخ هنا وهناك في دول النفط, بسبب الطفرة النفطية, علماً أن (معظم) هذه الحالات شيّد بخبرات ومهارات أجنبية. 

   أما السؤال الأهم ما هو واقع البنية الاقتصادية في مجتمعاتنا؟.

 

     بسبب طبيعة السلطة (المملوكية) في نهجها التي سادت في الكثير من البلاد العربيّة تحت ظل القوى الحاكمة تاريخيّاً منذ بداية العصور الوسطى حتى بداية القرن العشرين, ممثلة بقوى حاكمة شبه اقطاعيّة عسكريّة عملت على تدمير البنية الاقتصاديّة زراعيّاً وصناعيّاً وتجاريّاً, وقد استمر هذا النهج السلطوي الحاكم حتى سقوط الدولة العثمانيّة في الربع الأول من القرن العشرين, ثم جاءت الدولة (الشموليّة) مع الاستعمار الغربي الذي سعى بكل ما يملك من مقومات لجعل البلاد العربيّة وغيرها من دول العالم الثالث, بلاداً يدور رحى اقتصادها بما يخدم مصالحه الاقتصاديّة, أي جعلها بلاداً فقيرة أو محطمة من الناحية الصناعيّة والتكنولوجيّة, وغنيّة أو ناشطة زراعيّاً, وبخاصة في الزراعات الصناعيّة التي تحرك مصانعه, وتساعد على توسيع أسواق تصريف منتجاته, وهذا ما تم بالفعل, الأمر الذي أوقع هذه البلاد في مضمار (المتروبول), وخلق مآزق اقتصاديّة وسياسيّة كثيرة, كان الغرب (المتروبول) يساعد على خلقها أو تأجيجها عندما يشعر بأنها تخدم مصالحه, وهذا ما ساعد على ربط هذه البلاد بالدولة المستعمرة وجعلها تابعة له ولخدمة مصالحه حتى بعد خروجه العسكري من معظمها. لذلك ظلت هذه البلاد تعاني ولم تزل من التخلف الاقتصادي, فهناك أزمة غذاء حقيقية يعاني منها العديد من البلاد العربية, إضافة إلى فقدان الصناعات الاستراتيجية القادرة على حماية هذه البلاد من استغلال الدول الغربيّة المنتجة لها من جهة, أو من الوقوع في مطب الصناعات التحويليّة, والرثة من جهة أخرى, التي حاول الغرب التخلص منها منذ فترة زمنيّة طويلة بسبب تلويثها للبيئة, هذا إذا ما جئنا على غياب الخبرات والمهارات العلميّة, وقلة نسبة التوظيفات الماليّة في ميزانيات الحكومات للبحوث العلميّة وتطويرها, ثم الأموال الطائلة التي هربت إلى الخارج ووظفت هناك بدلاً من توظيفها داخل البلاد, والأهم يأتي الارتهان بعض الدول العربيّة الفقيرة لقروض البنك الدولي وشروطه السريّة المجحفة بحق الدولة وشعوبها.. الخ.

 

     على العموم هناك أزمة سياسية قائمة تحكمها دول شموليّة, مثلما هناك أزمة في مفهوم الدولة الحديثة التي لم تستطع الخروج بعد من صيغة الدولة الشمولية, وهناك أزمة اقتصادية  مستفحلة على كافة مستوياتها, تجلت نتائجها واضحة في تردي الكثير من الجوانب الاجتماعيّة والسياسيّة للبلاد, بحيث لم يعد بالإمكان تغطيتها من قبل العديد من الحكومات العربية.

 

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.