
يوميات حسين الاعظمي (1475)
حسن خيوكة الخيال الحالم
(1912-1962)
من كتابي الاول الصادر في كانون ثاني 2001 (المقام العراقي الى اين..؟)
***
يتمتع حسن خيوكة في الاوساط المقامية في العراق كمغنِ للمقامات العراقية، بشعبية جيدة تمتاز بالاحترام والتقدير من قبل نسبة كبيرة من الجمهور المقامي، وكذلك في المقابل هناك عدداً آخر من الجمهور يقابل حسن خيوكة بالجفاء..!! لماذا..!؟
بالنسبة الى الفئة الاولى من الجماهير المحبة لغناء حسن خيوكة، فانهم يعتبرون خيوكة فنّانا رومانسيا ذا تعبير اصيل في ادائه للمقامات العراقية، اما بالنسبة الى الفئة الثانية من الجماهير التي تجافي اداءات حسن خيوكة ولاترى فيه ذلك الفنان الحالم. فانهم يعتبرون خيوكة لا يملك مقومات عديدة واجب توفرها لدى مؤدي المقام العراقي، ومنها بعض العيوب الموجودة في خامة صوته..!
بالنسبة لي، فأنا اعتقد ان حسن خيوكة، اذا كان اداؤه محترماً او عكس ذلك، فانه المغني المقامي الذي لا يمكن تجاهله ببساطة..! فهو يمتلك انجازات فنية مقامية جيدة، وهو من المبدعين المحسوبين في القرن العشرين(هامش1).
كيف يمكننا تفسير هذه الحالة المتناقضة..؟ فقد تكون الكتابة عن حسن خيوكة من ادق واصعب المهام. لتضارب وتناقض الآراء حول تاريخه الادائي. فقد كان انساناً بسيطا وهاويا للمقام العراقي طيلة حياته. واعماله الغنائية وانجازاته المقامية فيها جانب كبير من التطلعات الجديدة..! الا ان عملية تجريده من اهمية تلك الانجازات من قبل الفئة الثانية، حُكمٌ ليس عادلا ابداً..! على الرغم من ان المرء عندما يسمع مقامات واغاني حسن خيوكة التي عبّر فيها عن تراجيديا(هامش2)عاشها هو وعبّر عن مجتمعه فيها. غالبا ما يتساءل، لماذا هذه الضجة..!؟
من وجهة نظري، ان حسن خيوكة، حسنا فعل عندما ترك تاريخه الفني وما يحويه من ابداعات للزمن وللخبراء والنقاد ليحكموا عليه دون تدخل منه..!ان السامع عندما يعود ويركز في سماعه لمقامات واغاني حسن خيوكة، فانه يكتشف السحر في ادائه..!
انني ارى ان كلا الفئتين المتناقضتين في الرأي بأداء حسن خيوكة في مقاماته واغانيهالعراقية، تمتلكان قسطا لا بأس به من الحق..! لأن الاهتمام الرئيس والمتكرر بانجازات مؤدي المقامات العراقية. هو الكشف عن الهوّة التي تفصل طموحاتنا الادائية والفكرية عن حدودها، وعن طموحات وانجازات معاصرينا من العرب وغير العرب في علوم الموسيقى والغناء..! لذا فان نتاجاتحسن خيوكة الغنائية، تزخر باوصاف عاطفية قلّما نجدها لدى غيره..! رخيمة بحيث استطاعت هذه الصفات ان تحجب انتباه الجماهير في كشفها لبعض العيوب الموجودة في خامة صوته..! فكانت مميزات ادائه وتعبيراته قد غطّت على هذه العيوب..!
عاش حسن خيوكة حياة مأساوية قاسية استطاع ان يعبِّر عنها من خلال اسلوبه وصدقه التعبيري في ادائه المقامات العراقية. حيث يمكن للسامع، سماع أي مقام عراقي من مقامات حسن خيوكة، الا ان الامر يستدعي وجود سامع متذوق ويمتلك ولو فكرة بسيطة عن اصول وشروط اداء المقامات العراقية، والتفكير في الامر بشكل موضوعي. كما ان السامع الذكي قد يكتشف دلائل اخرى تؤدي به الى امكانية اظهار الايجابيات والسلبيات في امكانية حسن خيوكة الفنية.
ان الكثير من القيمة الادائية الفنية لحسن خيوكة، يحاول فيها الكشف عن مدى تميُّزه عن معاصريه من المؤدين واظهار وتوضيح الارضية التي يستند عليها. واذا اردنا ان نفكر بشكل تجريبي لاجل التأكد من ذلك، او بهدف الوصول الى معرفة ما يمتلكه حسن خيوكة من فن ادائي وفكري. فيجب ان يكون كل واحد منّا موضوعيّا في مناقشته. واذا اردنا التفكير والمناقشة بشكل صحيح، وجب علينا تنظيم جميع دلائل انجازات حسن خيوكة وامكانياته الادائية حتى يتسنى لنا عدم فقدان أي منها. والتي بالتالي تلقي الضوء على مكامن الايجاب والسلب في فنه. بالرغم من صعوبة تدقيق ادلة وانجازات أي فنان او الحصول عليها بسهولة. هذه هي طبيعة مناقشاتنا للانجازات الفنية.
ان طريقة الاداء والاسلوب التي يمتلكها حسن خيوكة، مميزة عن كل طرق واساليب معاصريه. وهي صفة ايجابية مهمة بلا شك، بل في غاية الاهمية. فمنذ الوهلة الاولى يمكن للسامع ان يدرك ان من يسمعه هو حسن خيوكة..! الذي يعتبر أهدأ مؤدٍ عرفه المقام العراقي وارقّهم في أدائه..!رغم اعترافنا بأن الخامة الصوتية التي يمتلكها حسن خيوكة فيها بعض العيوب والرضوض..! وان مساحة صوته ليست بالسعة المطلوبة في مداها اللحني في اداء المقامات العراقية، التي تحتاج الى مساحات صوتية واسعة نسبياً. فصوته من فصيلة(الباص باريتون) لذا فهو يمتلك قرارات(هامش3)جيدة، ولكنه يعجز في معظم الاحيان عن اداء الجوابات(هامش4)العالية بشكل نظيف او طبيعي، يضمن فيه استمرارية التعبير وجماليته. لذلك فهو يضطر في كثير من الاحيان ان يتهرب بشكل تكتيكي وتكنيكي جيد، من الطبقات الصوتية العالية كما هو واضح عند سماعنا لميانه الرست الثالثة(المدني)(هامش5).ولما كان حسن خيوكة ذا تعبير فني جياش وعاطفي، فقد استطاع من خلاله ان يحتل موقعا جيدا بين مؤدي المقامات العراقية، وكذلك استطاع بميزته هذه ان يغطّي على عيوب خامته الصوتية..!
ان المشكلة التي اختلف عليها الجمهور وتنوعت آراؤه حول فن حسن خيوكة الادائي، هي ما تم طرحها سابقا. اضافة الى ان صوته اثناء الغناء يبدو وكأنه في حالة من عدم الاستقرار، وانه يحتاج الى كثير من التمرين ليتسنى لحسن خيوكة السيطرة عليه كي يتلاعب به كيفما يشاء في ليونة ومرونة جميلتين في الغناء. وهو يهدف الى عرض مشاعره من خلال احساسه العميق المعبِّر في ادائه بروح رومانسية عاطفية رخيمة تجنح الى التعبير عن روح العصر الذي عاش فيه خيوكة الذي عبر عنه بكل صدق وتأثر. وبهذه الخاصية استطاع مطربنا المقامي حسن خيوكة ان ينتشل اداءه وقابلياته من الفشل.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: في كتابي(الاربعة الكبار في المقام العراقي) الصادر في الجزائر 2007، وضعت حسن خيوكة ضمن المغنين المقاميين الاربعة الكبار وهم(حسن خيوكة ويوسف عمر وناظم الغزالي وعبد الرحمن العزاوي).
هامش2: تراجيديا – المأساة.
هامش3: قرارات – مفردها قرار يمثل موقع الباص من الاصوات ويكون في طبقة صوتية هابطة.
هامش4: الجوابات – مفردها جواب ونعني به الصوت العالي أي جواب صوت القرار الذي يمتد الى الدرجة الثامنة (الاوكتاف).
هامش5: المدني – اسم الميانة الثالثة في مقام الرست العراقي.
اضغط على الرابط
مقام الرست العراقي بصوت حسن خيوكة 1.
https://www.youtube.com/watch?v=iCIQG78SQwE
مقام الرست 2
https://www.youtube.com/watch?v=5yS8Eq-fZck

صورة واحدة / مطرب المقام العراقي الكبير حسن خيوكة
