
8-8 يوم انهاء الحرب العراقية الايرانية.. لماذا مر يوما باردا وفاترا
حسين باجي الغزي
مرّ يوم 8 آب هذا العام هادئًا وباردًا، كأنه يحمل في ذاكرته شيئًا من حزن الأيام التي مضت، في بلدٍ طالما رافقته الأحداث المؤلمة ولامست تفاصيل حياته.
ومع ذلك، فإن ذكرى هذا اليوم ينبغي ألا تُقرأ من زاوية الحرب وحدها، بل بوصفها مناسبة لاستذكار أهمية السلام، حين توقفت واحدة من أطول الحروب وأكثرها قسوة في المنطقة، بين شعبين مسلمين وجارين، تجمعهما روابط تاريخية وثقافية وجغرافية واجتماعية عديدة.
وبعيدًا عن تفاصيل الحرب وأسبابها ونتائجها، فإن من المهم أن نتذكر أن الحروب، مهما تعددت مبرراتها، تبقى في نهاية المطاف نتيجة لعجز الإنسان عن الوصول إلى حلول تحفظ الأمن والاستقرار والتعايش السلمي بين الشعوب والدول.
فالحرب العراقية الإيرانية، التي بدأت عام 1980 واستمرت ثمانية أعوام، كانت من أكثر النزاعات دموية في القرن العشرين، وألحقت خسائر بشرية ومادية هائلة بالبلدين، وتركت آثارًا عميقة في المنطقة، امتدت تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسنوات طويلة.
وقد شهدت المنطقة خلال تلك المرحلة ظروفًا سياسية بالغة التعقيد، انعكست على مسار العلاقات بين العراق وإيران، وصولًا إلى اندلاع الحرب في 22 أيلول 1980، بعد دخول القوات العراقية الأراضي الإيرانية.
وخلال سنوات الحرب، شهدت الجبهات معارك عنيفة ومتواصلة، وتبدلت فيها موازين القوى أكثر من مرة، قبل أن تدخل الحرب في مراحل طويلة من الاستنزاف والجمود، وسط خسائر بشرية ومادية كبيرة تكبدها الطرفان.
وفي عام 1988، وبعد سنوات طويلة من القتال، وافقت إيران على قرار مجلس الأمن رقم 598، الذي مهّد لوقف إطلاق النار، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 20 آب 1988، لتنتهي بذلك حرب استمرت ثمانية أعوام وأثقلت كاهل الشعبين العراقي والإيراني.
إن استذكار يوم 8 آب لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستحضار الأحقاد أو إعادة إنتاج خطاب الكراهية، بل فرصة للتأمل في دروس الماضي، والتأكيد على أن السلام أكثر انتصارًا من الحرب، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر عندما تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة.
لقد مضت سنوات طويلة على تلك الحرب، وتغيرت أجيال وتبدلت ظروف، وبقيت الحقيقة الأهم أن الدماء التي سالت لا يمكن أن تعود، وأن ما يمكن أن يعود هو الوعي، والمحبة، وحسن الجوار، واحترام الآخر.
إننا بحاجة إلى أن ننظر إلى الماضي بعين الاعتبار لا بعين الانتقام، وأن نضع أدران وأحقاد الماضي خلف ظهورنا، وأن نتذكر أن شعوب المنطقة، مهما اختلفت لغاتها وقومياتها، يجمعها الكثير من المشتركات الإنسانية والحضارية.
فالسلام ليس ضعفًا، والتسامح ليس نسيانًا للتاريخ، وإنما هو قدرة على تجاوز آلام الماضي وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للأجيال القادمة.
وفي النهاية، تبقى قيم المحبة والوئام والتعايش أقرب إلى روح الإنسانية، وأسمى من كل خلاف،.
ان استذكار التاريخ لا يعني إعادة فتح جراحه، وإنما الاستفادة من دروسه، حتى لا تتكرر مآسي الحروب، ويبقى السلام والتعايش وحسن الجوار هو الطريق الأفضل لشعوب المنطقة.
