
يوميات حسين الاعظمي (1476)
يوسف عمر المطرب الجماهيري
(1918–1986)
مقالة منشورة في جريدة الثورة بعددها 8544 في 21/8/1993 في ذكرى وفاته السابعة.
***
يوسف عمر الرجل الذي كرس حياته الفنية في اداء المقام العراقي، بل كرس كل حياته منذ ايام الصبا والشباب في حبه وعشقه لموسيقى وغناء المقام العراقي بروح وتعبير بغدادي عراقي. حيث غنى معظم المقامات العراقية. كبيرها وصغيرها واجاد ونجح في جميعها على وجه التقريب. واداها بنضوج وموهبة فطريةعفوية رافقتها خبرة طويلة في الممارسة طيلة حياته. اضافة الى مواهبه التي يتمتع بها.
ان المقامات العراقية التي غناها يوسف عمر. تكشف النقاب عن امكانية مؤثرة في الجماهير..! حيث امتاز يوسف عمر بطريقة واضحة المعالم باداء واسلوب غنائي يصلح لدراسة وتعليمالاجيال اللاحقة بصورة سهلة ومريحة..! بالفطرة دون قصد منه..! أي ان طريقته الغنائية السهل الممتنع كما يقال في الادب. ولعل هذه الميزة التي انفرد بها يوسف عمر عن غيره من المغنين المقاميين، من اهم اسباب نجاحاته في الاداء وبناء مجده الذي لم يكن يوسف عمر قد حسب له حسابا بالمرة(هامش1)..!
بهذه السهولة الادائية، فقد كان يوسف عمر قريباً لابسط المستمعين ثقافة..! وقد كنتُ شخصياً استعين بالكثير من تسجيلاته الغنائية المقامية خلال تدريسي للمقام العراقي في معهد الدراسات الموسيقية، باعتبارها إنموذجا غنائيا واضح المكونات والتفصيلات الاولية لكل مقام على حدة. وقد اعتمد يوسف عمر في اسلوبه هذا على تبيان عناصر المقام العراقي واجزائه في تسلسل واضح وجميل ومفهوم وجيد في معظم الاحيان. والسامع يستطيع من الوهلة الاولى ان يتتبع سير او تشخيص محتويات المقام العراقي الذي يسمعه بصوت يوسف عمر. وبذلك فقد حصل يوسف عمر على مستمعين من كافة المستويات الثقافية والاجتماعية الشعبية بمزيد من المتعة. ويمكن ان نقرِّب هذا القول في اساليب بعض المشاهير من المؤدين المقاميين الذين حازوا على جزء من صفة السهولة الادائية والذين يبدو حماس الجماهير لهم حماسا صادقا.
ان هذا الوصف الصريح للاداء المقامي البغدادي. هو من مميزات المقام العراقي كلون تراثي موسيقي غنائي. شامخا بين الالوان الغنائية العربية. وهناك كثير من المتعة والقناعة التي يستطيع فيها يوسف عمر ان يعطيها بتعبيراته العاطفية ذات الجاذبية التي يستمتع بها المستمع.
يمكن ان يكون هناك اعتراض في ان كل هذا يحدث على الصعيد المحلي..! ولكن رغم ان هذا الاعتراض فيه بعضا من صحة القول، الا انه يمكن ان نقول بأن المقام العراقي من خلال مؤديه المشاهير. قد تمكن بنجاح مطرد من وضع كيانه الادائي ضمن خارطة الغناء العربي المنتشرة هنا وهناك من مناطقنا العربية بقوة، بل وحتى خارج وطننا العربي الكبير.
قد يتساءل جمهور غناء وموسيقى المقام العراقي، عن امكانية ظهور يوسف عمر كمؤدٍ للمقامات العراقية بدون محمد القبانجي..!؟ او هل ان يوسف عمر ظهر بأفول نجم محمد القبانجي..!؟ اني اشك في هذا..!
ان اساليب التذكير المبنية في اداء كل منهما، توضح لنا الميزة الفارقة بينهما من خلال ادائهما للمقام العراقي وما يسمعه السامع. ذلك على الرغم من ان كثيراً من فن يوسف وصفاته الادائية وطريقته التي بنى عليها ادائه للمقام العراقي، كان قد استقاها من استاذه محمد القبانجي..! الا ان يوسف عمر ليس بسارق افكار او اساليب وطرق غيره. ليس بسبب اسلوبه الادائي المستقى. وانما لأن السامع يشعر انه يسمع شيئا يختلف عمّا يسمعه في غناء مقامات محمد القبانجي. على الرغم من وجود كثير من اوجه التشابه في بناء المسار اللحني وتطبيق الاصول المقامية بينهما. الا اننا نلاحظ ان هناك اسبابا اخرى لنجاح يوسف عمر في ادائه. منها فارق الزمن. فمحمد القبانجي برز في العقود الاولى للقرن العشرين. اما يوسف عمر فانه ظهر بعد منتصف هذا القرن؟ ولا شك ان هذا الفارق الزمني في العصر الحديث يعتبر فارقا زمنيا كبيرا..! للتطور السريع المستمر في الزيادة الحاصل للعلوم التكنولوجية وشتى مجالات الحياة. فالتعبير عن روح عصر كل منهما يختلف بطبيعة الحال، مع اضافة ان محمد القبانجي ارستقراطي(هامش2)الطبع في حضوره الادائي. بينما يوسف عمر شعبي الطبع في حضوره الادائي(هامش3).. ولعل هذه البساطة في اداء يوسف عمر ساعدته على تعميم غنائه على اسماع الجماهير بكل فئاتها بشكل مثير وملفت للنظر..!
من خلال هذه الميزة التي يتمتع بها يوسف عمر في ادائه الذي اطلقنا عليه صفة الشعبية. فانه يعتبر اقرب المؤدين قاطبة من التعبير الادائي للروح البغدادية..! واخيرا فان كلاً من محمد القبانجي وتلميذه يوسف عمر، يتمتعان ببراعة احترافية جيدة.
من ناحية اخرى فقد امتاز يوسف عمر كما ذكرنا آنفا بالروح المعبرة عن البيئة البغدادية في كل ادائه. وكذلك تميَّز بنقله للاصول والشروط المقامية التاريخية التقليدية من حيث مساراتها اللحنية وتعبيراتها. من السابقين الى اللاحقين بكل امانة واتقان..! ولم ينقص منها شيئا وكذلك لم يضف اليها جديدا سوى انه عبر عنها باسلوب جمالي فذ استمع اليه الناس المعاصرون بشتى مستوياتهم. وقد كان امتلاكه(للبحة) الجميلة التي تأتي ضمن الترديدات المتكسرة في الاداء وتسمى ايضا(البنتاية)، اثرا جميلا خلال ادائه. خاصة في الاشعار والابوذيات التي اكتسبها وتعلّمها من الملا نوري النجار. هي الاخرى ميزة له. كذلك امتاز يوسف عمر بحفظه المثير للقصائد والزهيريات والابوذيات والاغاني الكثيرة..! على الرغم من كونه لم يتعد المرحلة الابتدائية في الدراسة..!
كذلك امتاز صوت يوسف عمر بمساحة كبيرة، حيث تتسع لمدى لحني لاكثر من اوكتافين. وعليه فان صوته متكامل بالنسبة للمساحات التي يحتاجها اداء المقام العراقي وهي بلا شك مساحات واسعة جداً. فنوع صوته هو(التنور)(هامش4).
بالرغم من كل هذه الميزات الايجابية في صوت واداء يوسف عمر. فاننا لو تطرقنا بالحديث عن خامتهالصوتية، فاننا سنكتشف انه يحتوي على بعض الثغرات والرضوض عند الاداء، ومن المؤكد ان يوسف عمر كان يدرك هذه الناحية في صوته حسّيّا..! وظلت محاولاته في معالجتها معالجة عن طريق الخبرة فقط، ولذلك نستطيع ان نلاحظ هذه العيوب في بعض من مقاماته. مثلا تكون نهايات المقاطع غير متقنة او ان صوته احيانا يرتفع وينخفض نسبيا داخل الطبقة المغناة دون ان يدرك ذلك. واضافة الى ان احاسيس فنان مثل يوسف عمر تكون متقنة. حيث كان جمال صوته وتعبيراته المقامية الاصيلة، تعويضا رائعا لهذه العيوب التي يثير بها الجمهور ليخلو مع خيالاته وعواطفه التي نشاركه فيها.
اما من حيث الاداء فقد كان يوسف عمر في كثير من مقاماته، كثير التفصيلات والاسهاب..! لا يختزل منها شيئاً، حتى تتكرر جملة ما عدة مرات. وكذلك يسمح للعازف عندما يحاوره بآلته الموسيقية، وقتا اكثر مما يجب على حساب ترابط العلاقات الغنائية والموسيقية مع بعضها لصياغة عمل مقامي كوحدة متكاملة. وخطورة هذا المنحى في الغناء يكمن في احتمال الوقوع في شرك الضعف والركاكة ومن ثم تجزئة الجمل اللحنية في وحدات متفرقة ضمن عملية البناء الفني لغناء المقام العراقي. ولكن والحق يقال، ان يوسف عمر رغم مغامرته هذه، فقد نجا من هذا الشرك في كثير من الاحيان. وقد استطاع بخبرته ومقدرته وتجربته الادائية،ان ينتشل اداءه المسهب من الضعف. واقرب مثال على ذلك هو اداؤه لمقام النوى العراقي الذي اصاب به نجاحا كبيرا رغم الاسهاب والتكرار في لحن ابيات القصيدة..! وبالتالي فقد احرز العون من لدن الجماهير المحبة للمقام العراقي. فكان يوسف عمر منذ بداياته حتى وفاته، يغني مقام النوى بأقصى امكانيته التعبيرية وموهبته وخبرته الادائية بقصيدة ابن المعصومي:
(اما الصبوح فانه فرض/فعلام يكحُل جفنك الغمض)
(هذا الصباح بدت بشائره/ ولخيله في ليله ركض)
(يسقيها من كفه رشأ/لدن القوام مهفهف بضُّ)
(والكاس اذ تهوي به يده/نجم بجنح الليل منقض)
(فانهض الى صهباء صافية/قد كاد يشرب بعضها البعض)
(والليل قد شابت ذوائبه/وعذاره بالفجر مبيض)
(لا تنكروا لهوي على كبر/فعلىّ من زمن الصبا قرض)
(سيان خمرته وريقته/كلتاهما عنبيه محض)
(بات الندامى لا حراك بهم/الا كما يتحرك النبض)
(مهلا فليس على الفتى دنس/في الحب ما لم يدنس العرض)
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: جزء من حديث دار بيني وبين والمرحوم يوسف عمر بهذا الصدد.
هامش2: ارستقراطي – مفهوم اجتماعي ادبي وطبقي تمتاز به الموسيقى الكلاسيكية.
هامش3: شعبي – لانعني جماعة اجتماعية معينة ، بل يشترك المجتمع بكل فئاته وطبقاته بشكل من اشكال التذوق الموسيقي وبدرجات متفاوتة.
هامش4:التنور – الصوت الذي يلي الباص ضمن انواع الاصوات وتمتاز معظم الاصوات الرجالية به وخاصة مؤدي المقامات العراقية حيث يتسع لكل ابعادها.
اضغط على الرابط، يوسف عمر مقام عجم عشيران
https://www.youtube.com/watch?v=iMaVg3PLKu4
صورة واحدة / المطرب المقامي الجماهيري يوسف عمر (تنشر لاول مرة في كتبي) وهي من ارشيف الحاج هاشم الرجب
