للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 50

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

اتفقنا أنا ومحمد أن نلتقي يومياً في كراج العلاوي، لننطلق منه إلى الكاظمية حيث يبدأ الدوام في الساعة الثامنة صباحاً في دائرة تجنيد الكاظمية الثانية، ونبدأ بعملية النسخ حتى نهاية الدوام في الساعة الثانية بعد الظهر. كانت عملية متعبة ومملة ومقرفة؛ معلومات هائلة وأوراق بالآلاف، وكل سجل كبير الحجم يحتوي على 500 ورقة (في وجهين)، أي ما يقارب ألف صفحة.

كان ضابط تجنيد الكاظمية الثانية هو م. أول حميد نصيف جاسم (شقيق الوزير البعثي لطيف نصيف جاسم). كان هذا الضابط عابس الوجه، تبدو عليه العصبية والحدة، لا يبتسم ولا يعكس أي انطباع إنساني، حاد المزاج ولا يفسح مجالاً للتفاهم.

أخذنا الإذن من ضابط دائرتنا في تجنيد أبو غريب (الدائرة اسمها تجنيد أبو غريب لكنها تتبع مديرية تجنيد الكرخ)، وكذلك بموافقة م. أول حميد، بأن نغادر الدائرة الساعة الواحدة، لأننا لسنا من سكنة الكاظمية ونحتاج وقتاً بسبب زحام المواصلات. هذا القرار أثار حفيظة بعض المتملقين في دائرة تجنيد الكاظمية، فبدأوا بالوشاية علينا أنا ومحمد لدى م. أول حميد، بحجة أننا في أحد الأيام تأخرنا عند العودة بعد استئذاننا لتناول الغداء من ضابط الدائرة.

على إثر ذلك، أصدر الضابط حميد عقوبة سخيفة جداً، تقضي بأن نخرج من الدائرة الساعة الواحدة، على أن نذهب أولاً إلى دائرتنا ثم ننصرف منها إلى بيوتنا.

حاولنا مراراً إقناع ضابط دائرتنا (تجنيد أبو غريب) بالتدخل لإقناع م. أول حميد بالعدول عن قراره، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل. اقترحنا استبدالنا بآخرين، أو العودة إلى النظام السابق بحيث نغادر الساعة الثانية ظهراً، إلا أن م. أول حميد أصر على موقفه دون تراجع.

ومن الأمور التي عرفناها لاحقاً عن هذا الضابط، شقيق الوزير، أنه كان فاسداً أخلاقياً ومرتشيًا، وكانت له علاقات مع بائعات هوى، وكان يستقدمهن إلى الدائرة بعد انتهاء الدوام لممارسة الرذيلة.

لاحقاً، انكشف أمره في هذه الممارسات الدنيئة، وسمعنا أنه تم نقله ليعمل ضابط أمن في إحدى الوزارات.

كنت أعيش حياة روتينية سلسة، أعدّ الأيام والساعات لانتهاء هذه المرحلة الانتقالية من حياتي، متأملاً الانطلاق نحو حياة أخرى لا أعرف حدودها ولا مساراتها. كان يساورني الأمل أن أنتقل إلى جادة جديدة، وقد أبحرت في مركب لا أعرف مرساه ولا فناره، لكنني كنت متفاعلاً مع كل المتغيرات، بما فيها السياسية، فلم أنقطع يوماً عن قراءة الصحف أو متابعة الأخبار أو المشاركة في المناسبات الوطنية والحزبية.

كتبت الكثير، وقرضت الشعر رغم محدودية معرفتي بالنحو والصرف والأوزان. وفي بعض الأوقات، التي أصبحت متباعدة جداً، كنت ألتقي بأصدقائي الجذور.

في تلك الأيام، بدأت الأجواء تتصاعد اتسمت بالتوتر السياسي التي افتعلتها قيادة البعث.

(يتبع)