
الاشوريون في التاريخ/ الحلقة 36
القــــوش
يعكوب ابونا
في هذه الحلقة نكمل حديثنا عن بلدة القوش العريقة، حسب المصادر المعتمدة من قبل ابنائها..
يذكر بنيامين حداد في سفر القوش الثقافي ص 5 ومابعدها ،
تربض القوش فوق سفح جبل مسمى باسمها جبل القوش، هذا السفح الصخري كان مستوطن بشري تمتد جذوره التاريخية في اعماق عصور الانسان الاولى، تتخلله عشرات الكهوف والمغاور. سكنها الانسان منذ القدم وعمر فوق تلك الكهوف بيوتمستعملا مادتي الحجر والجص.
القوش تاريخياً هي مستوطن اشوري قديم، تقع على مسافة 30 ميلا شمال نينوى عاصمة الدولة الاشورية، ونجد بالغرب منها منحوته اشورية، وتحديداً في مدخل "كلي بيهندوايا" صورة منحوته وبشكل بارزة يمثل المنحوت صورة لرجل يرجح انها للملك الاشوري سنحاريب " 704 – 681 " ق. م . وتدعى محليا " شيرو ملكثا.
" تحقيقات بلدانية اثرية كوركيس عواد مجلة سومر 17 سنة 1961 " .
وعن المنقب الكبير واستاذ التاريخ في المعهد البطريركي القس توما ماروثا حكيم 1922، بان القوش كانت على الديانة الاشورية، وان الهها كان الاله سين– القمر "وكان لهذا الاله هيكل كبير يعبد فيه فوق المرتفع السفحي المعروف باسم "شويثا دكناوي".
وان اسم القوش مشتق من اسم هذا الاله، بمعنى انه اسم مركب من "ايل" بمعنى– اله" ينعت ب "ايل قاش اي الاله العظيم" والمعروف ان "قوش وكوش وقوس وقيس وكوس " كلها اسماء نعتية لاله سامي قديم" وعليه يكون اسم القوش مركب من اسم الاله الكبير.
كان للاله سين عيد خاص يحتفل به اشوريو القوش في مطلع شهر نيسان من كل عام، وهو بداية السنة الاشورية ضمن احتفالات اكيتو "راس السنة الاشورية البابلية" فكان ينقل صنم "تمثال" الاله سين باحنفال كبير بحضور قادة وكبار الدولة الاشورية ويوضع فوق عربة حربية خاصه الى العاصمة نينوى لفترة سبعة ايام، ويغمر في مياه دجلة ليغتسل، ومن جهة اخرى ليبارك دجلة ومياهه واهله للسنة القادمة.
وبعدها يعاد الى القوش وفي طريق العودة يمر على "تل زليلا" الواقع جنوب شرقي البلدة القديمة جنوب وادي الابار، في المنطقة المسماة "اراثا دبي سينا"، وفوق هذا التل كان يحل موكب الاله سين وتجري ممارسات طقسية دينية يتخللها الرقص والغناء بشكل أقرب من المجون فمن عوائدهم ان يباح في هذه المناسبة التغزل بين الفتية والفتيات فينطلقون على سجيتهم في نشوة الافراح،.
وأن لفظة (روما زليلا) ذاتها ترد في المعاجم السريانية كما يقول بنيامين حداد ص " 7 " بمعنى "جميل، متلالى، بهي، صافي، زلال،. الخ ويواصل موكب الاله سين مسيرته ليستقر تمثاله اخيرا فوق ربوة (شويئا دكناوي)، أو ربما داخل كهف في صدر الجبل الى الغرب يدعى (كوبا دمايا) يعتقد انه هو الآخر كان معبداً اشوريا قديماً..
ويذكر جورج حبيب الخوري في مقاله له في مجلة التراث الشعبي عدد 6 سنة 1970 "تعد شويثا دكناوي الموقع الاصلي لالقوش في عصورها الاشورية".
ويقدم أدمون لاسو ص 11 من كتابه المثلث الاثري في القوش وصفا لهذا الموقع أّذ يقول "هذا الموقع عبارة عن منحدر جبلي واسع كمثري الشكل، يقع فوق خبرنتا محلة سينا واسفل مغارة "كبيثا دسطاني" يحتوي الموقع على مذبح الاله سين– القمر وصهريج التطهير وحوض الغسل وعدة قنوات او اسواق منقورة في الصخر.
والجدير بالذكر ان تم اكتشاف هذا الاثر التاريخي، من قبل ادمون لاسو بعد جهد ستة اشهر من التنقيب المتواصل، لانه كان متمور بالتراب..
ويضيف ادمون لاسو سمي الموقع باسم (مصناع) ربما لأنه كان يصنع فيه أو من حجارته تماثيل صغورة تستخدم كتمائم أو تعاويذ في فترة عبادة الاله سين، في العهد الاشوري،
طول هذا المنحدر او السفح 75م ، م وعرضه أو قطره 5 . 43 م، ويلاحظ على وجه سطح (مصناع) نقر بسيطة مسطحة عملت للتمكن بواسطتها من الصعوة والتجول في الموقع بسهولة .
يحتضن هذا السفح الجبلي المعدل مذبحاً للاله سين في الثلث الأعلى من زاويته الغربية قريبا.. وقد يرجح المعبد إلى زمن الملك الأشوري سنحاريب (705 – 681) ق. م، الذي كان يهتم كثيراً بمشاريع الري والعمران، وإلى زمنه ترجع أيضا منحوتة شور- ملكثا في بهندوايا غربي القوش بستة كيلومتر ولفظة (شيرو) هي أختصار لاسم (شميرام- شمريو - شيرو).. وشميرام هي الملكة زوجة الملك شمش ادد الخامس 810 – 805 ق. م.
ويذكر بنيامين حداد، الى الغرب من القوش، وهدة كبيرة تدعى (خووشا) خسفة قليلة الغور في السفح، اتخذت شكل القلب او الكمثرى رأسه المدبب الى الاعلى وسطحه صخرة واحدة صلحة ملساء، وفي اسفل هذه الخسفة منحوتة يطلق عليها الأهالي (مصناعي). كانت السيول السفحية قد ردمتها بالاتربة، وقد ازيحت عنها هذه الاتربة مؤخرا (عام 1999)
قد يكون الموقع مكاناً لممارسة صناعة ما من الصناعات القديمة، أو أن يكون منحوتة نقرت في هذا السفح لممارسة طقوس او مراسيم دينية اشورية مثلاً، على غرار منحوتة (شيرو ملكنا) المنقورة شمال قرية بيهندوايا، نلاحظ ان منحوتة (مصناعي) مطابقة شكلاً لمنحوتة (شيرو) ملكثا) تماماً.
واما يوسف حداد في ص18 من كتابه مختصر تاريخ القوش ودير الربان هرمز، ان اهالي القوش قبل المسيح كانوا وثنيين يعبدون الاوثان والاجرام السماوية كبقية القرى والمدن الاشورية، ولقربها من العاصمة نينوى كان فيها مقر الاله (ايل قاش) احد الهة اشور الذي هو الاله سين اله القمر، وكان هيكله في شويثا دكناوى امام كبة سموقا اي المغارة الحمراء، وقد سميت محلة سينا باسمه.
وعندما سقطت الدولة الاشورية بيد الفرس الماديين اخذ الناس يعبدون الهة الفرس متمثلة باله الخير (اهورمزدا) وعناصره (النار والهواء والتراب والماء) واله الشر (اهورمان) الهة الفارتيين والساسانيين ديانة زارادشت المادي.
((نجد الكاتب يذكر الماديين دون غيرهم وهذا الراى قد يطابق راى الكثيرين من الباحثيين والكتاب ومنهم طه باقر ".. خاصة عندما اقترن هذا بان الاهالي اخذوا يعبدون الهة الفرس، وهذا دليل على ان بعد سقوط نينوى قسمت تركت وارث الدولة الاشورية بين الماديين الفرس والبابلين ملك نبوبلاسر مؤسس سلالة بابل الحادى عشر (البابلية الحديثة) فكانت حصة نبوبلاسر من ارث الدولة الاشورية، ملك على بابل وجنوبها بلاد الرافدين وغرب الفرات سوريا وفلسطين ومصر كانت هذه حصة الدولة البابلية الحديثة.
واما شمال بابل ومرورا بشرق الفرات الى شمال بلاد الرافدين وشرق دجلة كان من حصة الميديين، فكانت القوش وقرى سهل نينوى واقعة ضمن سيطرة الميديين.
بمعنى ان جغرافية الدولة الاشورية قسمت بين المنتصرين، فبابل وجنوب بابل وغرب الفرات حصة نبوبلاسر، وشمال بابل وامتداداً الى شمال بلاد النهرين حصة الميديين. فتكون اشارة الكاتب الى الميديين واردة لسيطرتهم على هذه المناطق، لذلك لم نجد اية اشارة الى ان للكلدانيين كما يسميهم البعض وجود في شمال بلاد الرافدين، وتخلو الوثائق التاريخة الى ذكر اي من الامراء او الحكام او القبائل الكلدانية، او من دولة بابل الحديثة حكموا او هاجروا اوسكنوا القوش او منطقة سهل نينوى. فالقوش لم تكن يوما من الايام سكن لكلدان بابل ولا موطناً للبابليين.)) ..
القوش في زمن الامبراطورية الاشورية العظيمة كان لها دور ومشاركة فعالة في الجيش الاشوري، لانه وحسب المعطيات التاريخية تثبت بان النبي ناحوم مولود في القوش، فيكون والده "علقون" من السبايا الاشوريين، لان القائد العسكري المشترك بالحرب كان ينال حصته من الغنائم التي كانوا يغتنمونها، ومنها السبايا التي يسبونها من تلك الحرب، ويظهر بان كان بالجيش الاشوري قادة القوشيين مشتركين بتلك الحرب، ضد دولة اسرائيل التي كانت عاصمتها "السامرة" فكان علقون وجماعته من حصة القائد الالقوشي وهذا دليل على وجود ناحوم النبي في القوش، فالقوش كانت معروفة بزمن الامبراطورية الاشورية العظيمة ولها وجود وموقع ماثر في صناعة التاريخ الاشوري.
والمطران بابان في ص 21 يصف قبر ناحوم بانه مصطبه صغيرة من الجص او نأوس مغطى بقماش اخضر وعلى جدران الغرفة وضعت قصاصات ورق مكتوب عليها بالعبرية مواعظ دينية وتواريخ وزيارات الاسر اليهودية المختلفة. ان دار القبر بناء بسيط وليس هناك كتابه او قطعة من العاديات عن المكان، ولا اعلم الى متى يرتقي التقليد عن ناحوم في قرية القوش الاشورية وهل كان مصدره مسيحيا ام يهوديا" انتهى الاقتباس
لا يستبعد بان التقليد حدث بعد السبي البابلي، يؤكد الكتاب المقدس وقوع غزو نبوخذنصر لاورشليم ثلاث مرات، الاصحاح 24 و25 من سفر الملوك الثاني والاصحاح 36 من سفر اخبار الايام الثاني، ففي عام 606 ق. م فيها قيد نبوخذنصر يهوياقيم ملك يهوذا لياخذه الى بابل لكنه مات وطرح خارج اورشليم، وكان ضمن الاسرى دانيال النبي، وفي عام 599 ق.م عاد نبوخذنصر واخذ يهوياكين الملك وبنيه وبعض الصناع وحزقيال النبي وعددا اكبر من الشعب ولم يترك في الارض الا مساكين الشعب. وفي عام 588 ق.م حيث احرق نبوخذنصر مدينة اورشليم واخذ انيت بيت الرب "قدس الاقداس"، وكان يشرب بها بقصره الخمر مع قادته وغلمانه وعبيدة..
في ايام الاسر اعادة عزرا الكتاب "سفر عزرا" اعادة صياغة كتابة العهد القديم على ضفاف الفرات، ولا يستبعد بانه صاغ بطريقة تلائم الفكر ولا يتعارض العقيدة البابلية والفارسية. وكان ضمن الكتاب الانبياء الصغار الاثنى عشر، واحدهم كان ناحوم النبي الذي اختصرت نبوته في سقوط اشور، كما ظهر في الاسر اليهودي كتاب التلمود البابلي "شروحات وتعليمات على اصل اسفار الكتاب المقدس" ..
كما نشير الى ان هناك رواية يتناقلها اهالي القوش، ويشير اليها المطران بابانا ص 30 " بان اهالي القوش خشية من نقل رفات النبي ناحوم الى مكان اخر غير مكانه في القوش، قام البعض بنقل رفاته الى هيكل مار ميخا، وحفظوها في زاوية قريبة من رفاة مار ميخا النوهدري. في الهيكل المذكور.
كل المعطيات تشير الى ان القوش لها عمق تاريخي الا انه للاسف لم يجر فيها التنقيب المطلوب لحد يومنا هذا، في الوقت الذي كل الدلائل والوقائع الاثرية تشير الى ان هناك الكثير مما يمكن ان يجدوه في اعماقها المتمورة تحت الارض.
ويشير ادمون لاسو ص 9 من كتابه، لما نشره هرمز أبونا في جريدة نينوى الكندية المهجرية في تسعينات القرن الماضي، ملخصا (لاكتشاف جثث مدفونه في دنان فخارية مع قطع ذهبية وفضية اشورية داخلها نقلا عن الشماس حنا كولا، كما اشار الشماس يوسف شامايا على الحادثة في نشرة مهرجان نادي بابل (بغداد 1995)
وعن متي أبونا (1903 – 2001) يذكر لاسو بانه قد اخبره عن الحادث قبل وفاته بسنوات عديدة حيث روى السيد شمعون ججو ككميخا وأخوه دانيال للقس (المطران أفرام بدي (1916 – 1984 ) .–
وبين الشماس حنا كولا، كيف اكتشفا في عشرينيات القرن العشرين في أسفل (شوينا دكناوي دنين كبيرين يحتويان على بقايا رماد بشري، مع أربع قطع ذهبية ومثلها فضية في كل منهما، وقد باعا الذهبيات إلى الصائغين الموصليين المقيمين في القوش أنذاك الشقيقين منصور وتوما نعمان رحو الصائغ المعروفين باسم منصور وتوما قينايا بينما أشترى الفضيات واحد من الآباء الدومنيكان المقيمين في الموصل، الذي صادف وجوده في القوش في ذلك الحين، عند القس فرنسيس حداد (۱۸۹۲-١٩٤۲). وذهب بها إلى فرنسا ودرسها فتبين له أنها مصوعات أشورية مدفونة في قبور أشورية. " انتهى الاقنباس " .
ويذكر ادون بفن في كتابه اثر قديم في العراق دير الربان هرمز، ترجمة الاب انستاس ماري الكرملي ص 8 ، " يشتهر اهالي القوش بشجاعتهم وقوة بأسهم وإبائهم، الامر الذي قلما نجده مثله بقرى اخرى" ..
وقدم القوش يؤكده ما ذكر في العهد القديم بتدوين سفر ناحوم الالقوشي فيه، وهذا دلالة على عمق التاريخي لهذه القرية قد يتجاوز الف سنة قبل الميلاد ان لم يكن اكثر من ذلك بكثير.
. فمن الطبيعي ان يرد اسمها عند الحديث عن مار ميخا النوهدري في نهاية القرن الرابع بين سنة 385 – 415 وهو الذي اسس اول مدرسة في القوش وهو اول اسقف لها، وهو الذي بشر اهالي القوش بنسر اسود يعشش في جبالكم، وكان هذا النسر الربان هرمز، صاحب الدير المسمى باسمه دير الربان هرمز، وفي هذا الدير مقبرة تسعة من البطاركة، تقع في المجاز المؤدي الى صومعة الربان هرمز، وعلى كل منها لوحة رخامية كبيرة كتب عليها نبذة عن حياة كل بطريرك مع صورة ايمانه. وهؤلاء البطاركة هم من عائلة بيت "ابونا " التي انجبت 27 باطريركا خدموا كنيسة المشرق من سنة 1318 – 1975 . ابتداً بطيمثاوس الثاني وانتهائاً بمار شمعون ايشاي 1975 ..
كما انجبت القوش بعد عائلة ابونا بطاركة يجدر الاشارة اليهم، وهم البطريرك يوسف اودو 1848 – 1878 ومار عمانوئيل الثاني توما 1900- 1947 ومار بولس الثاني شيخو 1958 – 1989 ومار بولس الثالث نونا 2026 ---" .
وغالبية اهالي القوش الان ينتمون الى كنيسة روما الكاثوليكية بعد ان كانوا ولوقت قريب ابناء كنيسة المشرق النسطورية. يبلغ عدد نفوس القوش في الوقت الحاضر بين 4500 – 5000 نسمة، علما بان هناك في الشتات اضعاف مضاعفة من هذا العدد، اذ لا تخلو دولة من دول العالم، ان كان في اوروبا او امريكا الشمالية والجنوبية واستراليا ونيوزلندا وغيرهما من الدول، من وجود ابناء القوش في فيها.
والى الحلقة القادمة وسقوط نينوى ...
يعكوب ابونا .............. 12 /8 /2026 .
