للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1477)

ناظم الغزالي فنان القرن العشرين

(1921–1963)

 

ان المغني والمطرب والمؤدي الشهير ناظم الغزالي نادر الشبه بين جيله ومعاصريه. وهو مثل بارز، بل من ابرز الامثلة لمغنٍ يفرض غنائه وفنِّه وامكانياته على عصره..! وقد نفذ نتاجه الفني الى اجيال العقود الزمنية التي عاشها في القرن العشرين والتي تلتها وما يزال كذلك حتى يوم الناس هذا..! محدثا انعطافا فنيا كبيرا وجمالاً تعبيرياً سلب من خلاله اذواق الجماهير العراقية والعربية على حدٍ سواء ضمن مسيرة الغناء البغدادي والعراقي والعربي على وجه العموم..! هذا الواقع الفني الذي انشأه ناظم الغزالي، قد احدث تغييرا وثورة على الاوضاع الفنية السائدة في عصره. ولم تكن هذه النزعة الابداعية التي تجسدت في انجازاته وتهذيبه لاسلوب العرض الفني في الغناء والتطريب ونضوج العملية الادائية التي نجح فيها نجاحا كبيرا فاق كل التصورات..!هي ثورة فنية إذن. ثورة قادها الفنان الاسطورة ناظم الغزالي، على واقعه الفني الذي امسى قديما حيث فقد الكثير من محتواه التعبيري في الاداء. ناظم الغزالي الثائر على القيود القديمة في شكل ومضمون التعابير الادائية السائدة في غناء وموسيقى المقام العراقي والغناء الحديث والمعاصر في العراق والوطن العربي..! غناء وتطريب واداء بشكل لائم اذواق الناس المعاصرين لحقبته الزمنية الحقب التي تلت. فلم تكن هذه التطلعات والطموحات في غير مكانها. فقد كانت الجماهير المستسلمة للاساليب القديمة. قد حمّلته كما حمّلوا استاذه محمد القبانجي من قبل، مسؤولية جميع التغييرات التي اجتاحت الاداء الغنائي والمقامي والحداثة التي غطت على كل المحاولات التي سبقته وفي زمنه..! حتى حاربوها بكل ما استطاعوا الى ذلك سبيلا. وبطبيعة الحال وقف امام هؤلاء المعارضين للحداثة والتجديد قوم آخرون من الجماهير المحبة للتجديد والابداع، التي ايّدت وبقوة معظم او جميع الابداعات التي طرأت للاداء الغنائي والمقامي، لتنتصر في النهاية كل عناصر التجديد والابداع والعلم والعرفة.ثم جاءت الشهرة العظيمة التي كانت نتيجة طبيعية في حق الاسطورة ناظم الغزالي. التي اجتاحت الآفاق العربية بشكل سريع وغريب على لسان وسائل الاعلام المرئية والمسموعة لتقول بسخرية. انها ابداع محمد القبانجي، انها ابداع ناظم الغزالي، انها ابداع غناء وموسيقى المقام العراقي، انه الفن العراقي بروحه وكيانه، اعيدوا النظر في فنِّكم ايها الفنانون…!!

 

      وفيما يتعلق الامر بين محمد القبانجي وتلميذه ناظم الغزالي، فان كليهما قاما بدور مهم وكبير لمسيرة الاداء المقامي البغدادي والعراقي. فقد كان محمد القبانجي كثير الانجازات، كثير الابداعات، كثير الافكار. ولا غرابة في القول ان معظم ابداعات المؤدين اللاحقين لمحمد القبانجي، كانت في الحقيقة من خزائن الابداع الذي يمتلكه محمد القبانجي..! فقد وضع الاسس والمبادئ الاولى. وجسّدها هو في عصره خير تجسيد، ثم تطورت مرة اخرى عند اتباعه المؤدين وقدموها واضافوا لبعضها من خلال ادائهم الذي تميزوا به عن الآخرين..! وقد كان ناظم الغزالي في مقدمة هؤلاء الذي عرض وطور واضاف لمبتكرات محمد القبانجي الشيء الكثير. وعرضها باسلوب شيق وجميل معاصر.

 

لاشك ان كلاً من محمد القبانجي وناظم الغزالي قد تعرضا في نضالهما الابداعي كما هو شأن كل المبدعين والمجددين. الى بغض الكثير من الجماهير المعارضة لروح الابداع والتجديد، ومن بعض المتخصصين والممارسين لنفس الفن وغيرهم، ربما غيرة وحسداً..! وفي النهاية فقد استطاع محمد القبانجي وناظم الغزالي والمبدعون الآخرون دحض معارضيهم وبزّ افكارهم التي تتصف بالسلبية. وعقد هؤلاء المبدعون العزم على هدم بناء المجتمع الفني القديم وتخلفاته ومساوئه. لذلك فان النهضة التجديدية للاداء المقامي الفني قد اعتبرت محمد القبانجي مثيرها الاول ومؤسسها الحقيقي. وبها رُفع محمد القبانجي الى مصاف المؤدين الاسطوريين…! بيدَ انه من المؤكد ان هذا لم يكن النصر الذي كان محمد القبانجي خليقاًبأن يكتفي باحرازه والتوقف عنده. بل وضع المبادئ والاسس والمنحى والفكر لطرق واساليب الاداء المقامي التي سار على هديها كل المؤدين اللاحقين له. وهكذا تكون الانجازات الكبيرة، منعطفات تاريخية تفوق مبدعها شهرة في غالب الاحيان.

 

 ان الفنان الرومانسي الخالد ناظم الغزالي المجتهد الدؤوب، سيظل بالرغم من عمره القصير(1921–1963) وآسفنا للحال الذي قسّمه له القدر في التاريخ. رائد عاصفة جديدة في التجديد والابداع، ومبدع حقبة زمنية جديدة في اسلوب عرض أغانيه ومقاماته العراقية. بل في الاداء الغنائي عموما. على الرغم من ان كثيرا من انجازاته اساسها من ابداعات سلفه محمد القبانجي. بيد ان ناظم الغزالي كان قد اخذها مزيدا عليها الكثير من ابداعاته الخاصة وعرضها بشكل خلاب ومثير.

 

ان الحجم الفني الكبير والشهرة الواسعة التي تمتع بها ناظم الغزالي. هي اغرب ما في امره..! ليس لأنه لم يدرك او لم يحسب حسابا لخطرها فحسب، بل ان هذين الامرين قد هبطا عليه بالرغم منه بشكلهما الواسع وانتشاره السريع المذهل..! ان حياة الفنانين الكبار وانجازاتهم، تمثل لنا في ميدان التاريخ والمسيرة  الفنية، حالة ربما كانت فريدة لرجال فنانين عباقرة قد هبطت عليهم العبقرية دون حساب لها.

 

يعد صوت ناظم الغزالي من فصيلة (التينور) ولكنه تينور درامي (tenor dramatique) أو تينور القوي أحيانا (fort tenor) (هامش1) ويتبين ذلك بوضوح عندما نسمـعه في المقامات العراقية ذات الطبقات الجهــورية والجوابات العالية، أو التنور العاطفي (lyrique) أو نصف الممتلىء (demi-caractere) وهو صوت يحقق توازناً كاملاً ويستغل على نطاق واسع في الغناء العاطفي كالمقامات العراقية والاغاني التي نسمعها بصوت ناظم الغزالي. وبالتالي فإن صوت ناظم الغزالي يتمحور بين صوت تنور الخفيف (tenor leger) الذي لا يتسم بالقوة والعنف، لكنه ليس ضعيفا لأن طبيعة هذا الصوت عاطفي وناعم (douce) من مناطقه الوسطى حتى نطاقه الحاد (هامش2) كالمقامات العراقية والاغاني التي أداها ناظم الغزالي في حفلته الشهيرة في الكويت عام 1963 قبيل وفاته بفترة قصيرة(هامش3). في حين يتملكنا الإحساس في أنه يتجنب المقامات العراقية ذات الطبقات المنخفضة (القرار).

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

هامش1: تنور درامي .. نفس لقائي مع د. خالد ابراهيم اواخر الثمانينات حيث اجابني بان صوت ناظم الغزالي يتراوح بين فصيلة التنور والتنور الدرامي.

هامش2: بنشار، ماكس،تمهيد للفن الموسيقي، ترجمة وتقديم محمد رشاد بدران، دار نهضة مصر، القاهرة، 1973، ص25.

هامش3: توفي ناظم الغزالي بصورة مفاجئة يوم 21 / 10 / 1963 بعد ان عاد الى ارض الوطن من جولة فنية خارجية, وقد اثارت وفاته المفاجئة شكوكا كثيرة في المجتمع الفني والمجتع العراقي كله حتى هذا اليوم، على ان وفاته لم تكن طبيعية، وقد وجهت بعض الاتهامات الى عدد من الشخصيــــــات في سبب وفاته التي يبدو باتت اكيدة بانها غير طبيعية.

 

 

صورة واحدة / فنان القرن العشرين ناظم الغزالي.