
رجب طيب اردوغان بين مكر التعلب وطموح السلطان
محمد حمد
يعتبر الرئيس التركي من ثعالب السياسة المخضرمين في منطقة الشرق الأوسط. وتشهد له خبرته بالرقص على جميع الحبال وعلى وقع انغام مختلفة سواء من الغرب أو من الشرق. يعقد اتفاقيات مع أطراف مختلفة واحيانا في خصام وعداء مع بعضها البعض. ويبيع ويشتري أسلحة من دول في حالة حرب. وبناءا على أوامر واشنطن، باعتبار تركيا عضو في حلف الناتو، يقوم أردوغان بتزويد نظام كييف الفاشي بالأسلحة وخصوصا الطائرات بدون طيار. وفي ذات الوقت لديه علاقة "جيدة" إلى حد ما مع روسيا. وهذه الأخيرة قامت ببناء وتركيب محطة نووية في تركيا، هي محطة اكويو.
ولهذا فمن الصعب معرفة اين يقف بالضبط الرئيس التركي. ولكن الواضح هو أذا هبت الرياح من الشرق فهو شرقي واذا هبت من الغرب فهو غربي. وفيما يتعلق بالكيان الصهيوني تجد أن لهجة ولغة وعبارات رجب طيب اردوغان نارية جدا وشديدة واحيانا غير مألوفة لدى حكام المنطقة. ولكن لا شيء غير الكلمات. لانه، في رايي المتواضع يعرف حدوده. وهذه الحدود مرسومة مسبقة مع واشنطن. كأنهم قالوا له: انتقد واشجب وارفض كما تشاء ولكن في الإعلام فقط.
يطرح اردوغان نفسه وسيطا في حرب اوكرانيا ولكنه في نفس الوقت يبيع الأسلحة إلى كييف. ويشتري الغاز والحبوب ومنتجات أخرى من روسيا. وفي كلا الحالتين يحاول تقديم نموذج جديد من "الحياد" دون أن يلام عليه من قبل الآخرين.
في العقدين الأخرين انتهى عصر السياسة. وبدأ عصر "التجارة" بوسائل سياسية. وأصبحت المباديء والقيم الإنسانية والأخلاقية، التي كانت في يوم ما معيارا ثابتا للعلاقات بين الدول، من "الكماليات" التي يمكن الاستغناء عنها إذا اقتضت الحاجة. وسبق وان قالوا إن لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة في السياسة. ولكن الشيء الثابت، دون أن يذكره أحد، هو المصالح النفعية بما فيها المصالح الشخصية. وغلب النفاق والكذب والمكر على الأساليب والقواعد النبيلة التي كانت تشكل علامات فارقة في عالم السياسة. ان رجب طيب اردوغان يحاول، من خلال أنضمامه إلى ما يسمى ب "اتفاق مكة للدفاع المسترك" أن يضع اسمه على الصفحات الأولى للصحف العالمية. وان يتصدر المشهد الإعلامي كلاعب فاعل ومؤثر. ولكن الواقع أن تركيا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تحتاج إلى أي تحالف أو اتفاق دفاع مشترك. ولو سألنا انفسنا: من الذي يهدد تركيا؟ الجواب لا احد!
ولكن الرئيس التركي، الذي تحتل بلاده اجزاء من سوريا والعراق ونصف جزيرة قبرص، يسعى إلى المزيد من التوسّع البطيء وغير المثير للشكوك. فهناك من يحلم باسرائيل "الكبرى" وهناك من يحلم بالدولة العثمانية ولو بشكل مصغّر. وكل هذا بطبيعة الحال على حساب شعوب المنطقة التي ما عادت تميّز, بسبب عجزها واغترابها الذاتي، بين الخريف والخروف!
