للذهاب الى صفحة الكاتب   

من قلب الشارع

صالح مهدي محمد

 

 

في الشارع، لا تحتاج إلى استطلاع رأي حتى تعرف ما يفكر فيه الناس؛ يكفي أن تمشي عشر دقائق. ستجد رجلاً يناقش أسعار الخضار وكأنه على دراية تامة وإحاطة لا ينافسه فيها أحد، وآخر يتحدث عن السياسة وكأنه عالم لا منازع له، يحلل ويجادل ويصل إلى نتائج لا تخطر على بال أحد، وثالثاً يعرف سبب ارتفاع الدولار، ورابعاً يعرف الحل، وخامساً يعرف شخصاً يعرف شخصاً يعرف الحل.

أما المواطن العادي، البعيد عن الجدل، فهو واقف بينهم جميعاً، يحاول أن يتذكر لماذا خرج من البيت أصلاً.

الشارع عندنا جامعة مفتوحة؛ تتعلم فيها الصبر من طوابير المخابز، والرياضيات من حساب الأسعار، والجغرافيا من البحث عن طريق خالٍ من الازدحام، والاقتصاد من محاولة جعل مصروفك يتناسب مع دخلك. وأحياناً تتعلم الفلسفة من سائق سيارة الأجرة.

تسأله: كم الأجرة؟

يقول: كالعادة.

تقول: لكن المسافة اليوم أقصر.

يقول: أجل، لأن الوقود غالٍ.

تقول: لكن الطريق هو نفسه.

يقول: صحيح، الحياة تغيرت.

وتكتشف أن مشوارك القصير تحول فجأة إلى محاضرة في فلسفة الاقتصاد.

في الشارع أيضاً، الجميع مستعجل.

السيارة تستعجل.

المشاة يستعجلون.

صاحب المحل يستعجل.

حتى الرجل الذي يجلس أمام المقهى منذ ثلاث ساعات يبدو مستعجلاً، رغم أنه لا ينتظر شيئاً.

والغريب أن الجميع يريد الوصول بسرعة، لكن الجميع يتوقف في منتصف الطريق ليتحدث مع شخص يعرفه.

وهنا تبدأ الازدحامات الحقيقية؛ ليس ازدحام السيارات وحده، فهناك ازدحام الحكايات أيضاً.

«كيف حالك؟»

«أنا مشغولٌ حقاً.»

ثم تبدأ حكاية تستمر نصف ساعة، ولو كان مشغولاً فعلاً لما حكاها.

لكننا في الشارع لا نحسب الوقت بالطريقة المعتادة؛ الدقيقة التي نحتاجها قد تصبح ساعة، والساعة التي نقضيها في الكلام تمر كأنها دقيقة.

وفي كل زاوية هناك بائع لديه نظرية خاصة في الحياة.

تسأله عن سعر البرتقال، فيخبرك عن السوق.

تسأله عن السوق، فيخبرك عن العيد.

تسأله عن العيد، فيخبرك عن الجيران.

وفي النهاية تشتري البرتقال وتعود إلى البيت وأنت تحمل فكرة سياسية لا تعرف كيف دخلت في يومك.

أما أكثر ما يلفت النظر في الشارع، فهو أننا نشتكي من كل شيء، ثم نضحك.

نشتكي من الغلاء ونشتري.

نشتكي من الزحام ونخرج في أوقات الزحام.

نشتكي من الهاتف ونبقى ممسكين به.

نشتكي من الأخبار، ثم نبحث عن المزيد منها.

ربما لهذا السبب يبقى الشارع حقيقياً أكثر من أي مكان آخر؛ فهناك لا توجد نسخة رسمية من الحياة.

الناس يتحدثون كما يفكرون، ويضحكون كما يشعرون، ويغضبون لأسباب صغيرة، ويفرحون بأشياء صغيرة.

قد تجد رجلاً يشتري رغيف خبز، وفي طريق عودته يشتري لطفل غريب قطعة حلوى.

وقد ترى شاباً يساعد رجلاً مسناً في عبور الشارع، ثم يختلف معه بعد دقيقة كاملة حول كرة القدم.

هذه هي الحياة كما هي: متناقضة، مزدحمة، ساخرة، وأحياناً جميلة دون أن تنتبه إلى جمالها.

لذلك، إذا أردت أن تعرف حال الناس، لا تسألهم في استبيان؛ انزل إلى الشارع، اجلس في مقهى، اسمع حديث الطاولة المجاورة، وراقب الناس وهم يركضون خلف يومهم. ستكتشف أن البلد كله موجود هناك؛ في الرصيف، وفي المقهى، وعند بائع الخضار، وفي سيارة الأجرة، وفي ذلك الرجل الذي يقف عند ناصية الشارع، وكأنه يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون.

والأجمل أنك إذا بقيت وقتاً طويلاً... ستكتشف أنك أصبحت واحداً منهم.