
آخر ظهور أهم من الحضور
صالح مهدي محمد
في زمنٍ لم يعد فيه السؤال: «وينك؟» يعني المكان، بل يعني: «ليش ما شفتك أونلاين؟»، صار الوجود مسألة تقنية أكثر منه واقعية. قد تكون جالساً بين عشرة أشخاص، لكن قيمتك الحقيقية تُقاس بشيء واحد: متى كان آخر ظهورك؟
دخلتُ مجلساً فيه أصدقاء قدامى؛ سلام، مصافحة، ضحك، كل شيء يسير بطبيعية. جلست بينهم، وبدأنا الحديث. بعد خمس دقائق، لاحظت أن واحداً منهم ينظر إلى هاتفه، ثم إليّ، ثم إلى هاتفه مرة أخرى.
سألته:ـ شكو؟
قال:ـ غريبة… أنت هنا؟
قلت:ـ إي، امامك!
قال:ـ بس آخر ظهورك قبل ساعتين!
وهنا أدركت أن حضوري الجسدي لم يعد يكفي لإثبات وجودي. يبدو أن عليّ أن أفتح هاتفي وأظهر «أونلاين» حتى يقتنع الجميع بأنني حاضر فعلاً.
في الماضي، كان الغياب يُقاس بعدم الحضور. اليوم، قد تكون موجوداً، لكنك «غائب رقمياً»، وهذا أخطر بكثير. أحد الأصدقاء عتب على صديقه لأنه لم يرد على رسالته:
ـ ليش ما رديت؟
أجابه:ـ كنت مشغول.
قال:ـ معقولة مشغول وأنت كنت أونلاين؟!
وهنا انتهت كل الحجج؛ فالـ «أونلاين» شهادة حضور لا تقبل الطعن. لا يهم ماذا كنت تفعل، ولا إن كنت فتحت الهاتف لثانية واحدة، ولا إن كنت تبحث عن رقم أو تغلق إشعاراً؛ المهم أنك ظهرت… والظهور على ما يبدو مسؤولية!
في العمل، الوضع أكثر تطوراً؛ مدير الشركة قد لا يسأل: «أنجزت العمل؟»، بل يسأل بطريقة غير مباشرة: «كان نشاطك اليوم قليل على المجموعة». وهنا تدخل في معادلة غريبة: هل تعمل فعلاً، أم تُظهر أنك تعمل؟
بعض الموظفين حلّوا هذه المشكلة بذكاء؛ يفتح الهاتف كل خمس دقائق، يكتب «تمام»، يرسل «تم»، يضع «علامة إعجاب»، ويغلق. بهذا الشكل، يحقق حضوراً رقمياً ممتازاً… حتى لو لم ينجز شيئاً يُذكر.
أما في العائلة، فالموضوع يحمل طابعاً عاطفياً؛ إذا لم تظهر، قلقوا عليك، وإذا ظهرت ولم ترد، غضبوا منك، وإذا قرأت الرسالة ولم تجب، دخلت في مرحلة «العتب»:
ـ ليش تقرأ وما ترد؟
فتحاول أن تشرح:
ـ ما انتبهت.
لكن «تمت القراءة» لا تصدقك؛ هي شاهد صامت، لكنه دقيق جداً.
والأجمل من ذلك كله، أن البعض بدأ يخطط لظهوره؛ يدخل في وقت معين، ويخرج في وقت معين، يرد بسرعة على رسالة، ويتأخر في الرد على أخرى، حتى لا يبدو «متفرغاً أكثر من اللازم». صار للظهور إستراتيجية، وكأننا لا نعيش حياتنا، بل ندير حساباً افتراضياً لها.
وفي لحظة هدوء، تسأل نفسك:
متى آخر مرة جلست فيها مع شخص وتحدثت معه من دون أن تنظر إلى هاتفك؟
متى آخر مرة اختفيت فيها فعلاً، لا لأنك لا تريد الرد، بل لأنك تريد أن تعيش لحظة بلا إشعارات؟
ربما المشكلة ليست في «آخر ظهور»، بل في أننا أصبحنا نظهر كثيراً… ونحضر قليلاً؛ نظهر على الشاشة، ونغيب عن الطاولة. نكتب «ها شخبارك؟» لشخص بعيد، وننسى أن نسأل الجالس أمامنا. نضحك لرسالة، ونفوت ضحكة حقيقية.
وحدها الأشجار تموت واقفة، أما نحن فنعيش جلوساً… منحنيين على شاشات تفقدنا ملامحنا. وحدها القبور تُدار بلا هواتف، بينما نحن نحول بيوتنا ومجالسنا إلى مقابر ذكية صامتة، ننتظر فيها إشعاراً يخبرنا بأننا ما زلنا على قيد الحياة.
