
من رحم النضال/ 57
د. مزاحم مبارك مال الله
كنتُ كطائرٍ فقدَ سربه، أو لعلّ السرب هو الذي فقده. (ومع الأسف الشديد، لقد ضيّعوا الخيطَ والعصفور).
فما قيمة الشيوعي بلا تنظيم؟
بعد التسريح، ظننتُ أنني سأجد الرفاق، لكن الواقع كان في أسوأ حالاته؛ فلا رفاق، ولا تنظيمات، ولا أحد يمكن أن يدلّك على أحد.
ومن خلال صديق الحزب شاكر القره غولي وأخوته – وهم عائلة من أهالي البصرة يملكون فنادق في شارع الرشيد – عرفتُ أن الكثير من جماعتنا بدأوا بمغادرة العراق، وأن حكومة البعث كانت تسهّل خروجهم. وفي الوقت نفسه، كان البعثيون يعرفون كيف “تُؤكل الكتف”؛ فلم يكونوا يهتمون بالأعضاء البسطاء الذين لا يشكّلون خطراً عليهم، بل كان همّهم الأكبر هو الكوادر النشطة والمؤثرة (أي الكادر الفعّال في الحزب).
لاحقاً، وبعد مرور أشهر عديدة، أدركتُ أن أغلب الوطنيين العراقيين أصبحوا إمّا تحت الأرض، أو فوقها ولكن خارج أسوار الوطن، نتيجة العسف البعثي القاسي بحقهم.
بعد أسبوع أو أسبوعين من تسريحي من الجيش، بدأتُ بإجراءات استخراج جواز السفر، لتنفيذ طموحي في مواصلة الدراسة خارج العراق وبالتواصل مع ابن خالي باسل.
لاحظنا في البيت أن عناصر البعث تراقب منزلنا، ولكن دون تدخل مباشر أو ضغوط، إذ كانوا قد أخذوا منّا تعهدات مسبقة.
كان من المهم جداً أن لا يبقى أخي صبحي في البيت، فقمنا بإقناعه بمغادرة بغداد إلى إحدى المحافظات.
اقتنع أهلي بسفري إلى يوغسلافيا عند باسل، وفعلاً تم ذلك يوم 22/12/1978 على متن الخطوط الجوية العراقية، المتجهة إلى صوفيا، أنا وصديقي وليد (من التجنيد، حيث تسرّحنا معاً)، على أن نقضي بضعة أيام في صوفيا، ومن هناك أتابع إلى بلغراد لمواصلة مشواري مع ابن خالي.
وصلتُ إلى بلغراد عن طريق القطار، وتوجهتُ فوراً إلى العنوان الذي زُوّدتُ به، فإذا به عنوان معهد لتعليم اللغة اليوغسلافية!
في الحقيقة، تفاجأتُ وصُدمت؛ فقد كنتُ متعباً جداً، وحقيبتي ثقيلة… لكن السؤال الأهم: أين أقيم؟ وأين أبيت؟
وبعد أن عثرتُ على أحد الطلبة العراقيين، الذي كان يعرف باسل، وجدتُ نفسي في مأزق حقيقي، خاصة مع هطول الثلوج الكثيف. فأخبرني قائلاً:
"الآن وقت عطلة الدراسة والأعياد، وباسل سافر للسياحة إلى رومانيا مع صديقه شاكر."
أصابني إحباط شديد، خصوصاً أن التفاهم مع الناس هناك كان صعباً، لندرة من يتحدث الإنكليزية.
لم يكن لديّ مأوى… فاضطررتُ إلى الإقامة في فندق موسكوفا، رغم كلفته الباهظة، إذ لم أكن أعرف غيره.
وكان العاملون في الفندق يتحدثون الإنكليزية، مما خفّف عني العبء قليلاً.
(يتبع)
