للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1478)

سـليمة مــراد المطربة الشهيرة

(1905-1974)

 

من كتابي الاول (المقام العراقي الى اين..؟) الصادر في كانون ثاني 2001.

***

 

رأيت سليمة مراد لاول مرة وقد تقدم بها العمر. حيث كنت أشاهدها يومياً على وجه التقريب جالسة في طارمة بيتها. المعلقة قطعة خشبية على بابه الخارجية كتب فيها (منزل ناظم الغزالي). هذا البيت الكائن في الشارع الخلفي الموازي لشارع 52، أي خلف دائرتي جوازات السفر والجنسية، ومجلس الخدمة في  بغداد. كان ذلك مطلع العقد السبعيني. وفجأةً اختفت ولم أرها بعد ذلك حيث ذهبت الى بارئها في مثل هذا اليوم (1/1/1974). أي قبل 51 عاماً. هكذا النهاية إذن..! تزهدت عن الفن والغناء بعد فاجعة وفاة زوجها الفنان المعجزة ناظم الغزالي 1963، تزهّدت أو شبه ذلك. فابتعدت منذ ذلك الحين نسبياً عن الفن والفنانين، بعد ان أصبحت الحياة لا تثيرها ولا تعلق عليها  أهداف..! لقد سخرت من هذه الحياة وسخرت من أي علاج لها.

لقد كانت سليمة مراد، تحاول أن تصف لنا من خلال مقاماتها القليلة وأغانيها الكثيرة، طبيعة الحياة التي عاشتها. التي وصلت فيها الى أعلى درجات الحضور الجماهيري، وقد تعاظم نفوذها الفني والشخصي في المجتمع لفترة طويلة من  حياتها. ولذلك فإن الحديث عن المطربة سليمة مراد، خاصة تجربتها ذات الأبعاد المختلفة مع زوجها الفنان الراحل ناظم الغزالي كزوجين فنانين، حديث ذو شجون. ان هذه التجربة الكبيرة والمؤثرة في مسيرة حياتهما من جانب، ومسيرة الفن  الغناسيقي العراقي والعربي من جانبآخر. لم يُقدّر لها أن تدوم أكثر من عقد من السنين..!! ومن زاوية أُخرى فإن غناء سليمة مراد سواء على صعيد الاغنية أو المقامات رغم قلتها، كانت فيها تحاول أن تكشف النقاب عن عالم تعبيري حالم يعكس حياتها وزهوها وهي في ذروة نجاحاتها الادائية و تأثيرها الكبير في المجتمع البغدادي على وجه التخصيص. وهو ما نجحت فيه أيما نجاح..! حيث عاشت سليمة في خضم ترف التعابير الادائية البغدادية، التي كانت عالمها المؤثر التي نستطيع من خلالها أن نتحدث عن نتاجاتها الغنائية الاولى، التي ستبقى أغانٍ خالدة في التاريخ الغنا سيقي العراقي. كأُغنية (الهجر مو عادة غريبة) واغنية (هذا مو إنصاف منك) واغنية (يعاهدني) ومقام (البنجكاه العراقي) واغنية (يا نبعة الريحان) واغنية (راح حبنا) … الخ. فقد وصلت سليمة مراد في هذه الاغاني الى الخيال العام للمجتمع البغدادي والعراقي. وقد استحوذت على اهتمامكل فئات المجتمع المتذوق للموسيقى. كما إن التحمّس لأغانيها كان من الرجال والنساء على حد سواء وبمختلف الطبقات الاجتماعية..! لقد كان هذا الحماس الجماهيري لمتابعة أغانيها، حماساً صادقاً. لماذا..!؟

أعتقد إن من أهم الاسباب لنجاحها الادائي لاغانيها ومقاماتها، هو وصولها في عنصر التعبير الادائي عن هموم ومعانات المجتمع العاطفية..! ليس على مستوى المسارات اللحنية فقط، بل حتى على مستوى التعبير عن الكلمة الغنائية الملائمة لالحانها على وجه العموم. بحيث جعلت إمكانية الاستماع اليها من عدة مستويات ثقافية في المجتمع. إضافة الى المستوى الفني العام للأداء الذي يمكن الاستماع اليها بمزيد من المتعة رغم وجود بعض الملاحظات الفنية. إن هذا الوصف الصريح لإمكانيات سليمة مراد التعبيرية في الاداء غير الاعتيادي من مميزاتها الفنية المهمة. حيث يوضح لنا امتلاكها لكارزما كبيرة في التأثير الجماهيري. إذ يمكن للسامع أن يدرك بإحساسه، ان هناك الكثير من القناعة التي يمكن الحصول عليها بواسطة الجاذبية التي تتمتع بها سليمة مراد في المجتمع والاداء التعبيري عن خصوصية البيئة واستقاء أغانيها من التراث المقامي ومن ثم أحاسيس التحرر التي تلهم بها المتلقي. وبهذه الدلالات والاشارات، يتوضح لنا ان سليمة مراد على ادراك واحساس واعي بامكانيات المؤدين الغنائيين من الرجال والنساء المعاصرين لها في العراق. وكذلك نرى ان اغانيها الرائعة، ما هي الا انعكاس تلقائي للاعمال الاصيلة الاخرى. ان هذه الاشارات الفنية في امكانيات سليمة مراد التي رغبت دوماً في تطويرها. هذا التطور الذي تبغيه، يشير من جانب آخر الى شخصيتها وحضورها النافذ في المجتمع البغدادي التي رغبت سليمة كما يبدو على لسان حالها في أن تسميه (معرفة الحياة) أي انها آمنت بأن الحياة يجب أن تسير في التطور والتجديد الفني مهما كان ظرف الفنان. فلابد من مواكبة سيرها واللحاق بها دوماً..!

هكذا أمر سليمة مراد، خاصة علاقتها بالزمن والحياة والفن برمتهم..! فنراها عندما تؤدي أي أُغنية جديدة مهما كان جمال هذه الاغنية، تنتشر وتذاع دوماً من الاذاعة أو التلفزيون بعدئذٍ و تتلقفها الجماهير وتبحث عنها لتسجلها وتقتنيها..!

لقد كان لأمرِ نجاح سليمة مراد في اداء اغانيها الاولى، سواء في الثلاثينيات  أو الاربعينيات، ان برهنت على امتلاكها موهبة خصبة في جوانب عديدة من شخصيتها مكنتها بالاستمرار في توالي النجاح تلو النجاح في الاغاني الاخرى التي اعقبت بدايتها..! ونرى ان نشاطها الاوسع الذي نلمسه بشكل واضح ضمن مسيرة حياتها الفنية، هو بعد زواجها من الفنان الاسطور ناظم الغزالي عام 1953. بعد تعرُّفها عليه قبل سنتين من هذا التاريخ وفي احدى الحفلات في البيوت البغدادية. فتفاعل نشاطها الفني ذو الخبرة والتجربة العميقة مع الامكانية الفنية الخارقة لدى زوجها ناظم الغزالي. فكانت فترة زواجهما التي دامت عقداً واحداً من السنين..! انتجا فيها الكثير من الاغاني وتسجيل بعض المقامات العراقية، واقاما الكثير من الحفلات الثنائية داخل العراق وخارجه. وبعد كل هذه الفترة الغزيرة، بدأ يساورها شعوراً بالاحباط وعدم الرغبة في النتاج الفني المستمر بعد وفاة زوجها ناظم الغزالي المفاجئة..! فقد قضت السنين العشرة الاخيرة في دوامة من النشاط الدؤوب والنتاج المستمر من أغاني أو مقامات عراقية، مع إزدياد شهرتها خارج حدود الوطن. وعندما حصلت الفاجعة، حصل الفتور، اذ لم يكن هذا الفتور في نتاجها الفني مبعثه فقدانها لبعض من امكانياتها الفنية، بل تأثير التجربة الحياتية التي رحل فيها زوجها الحبيب ناظم الغزالي.

سليمة باشا، سليمة مراد، أي التسميتين تدلنا عليها. إنهاالمغنية العراقية الشهيرة المثيرة في شخصيتها الفنية. شغلت الناس فناً واعطت لهم من حياتها الكثير. عبَّرت عن حياتها وعن نفسها. شهادة دراسية بسيطة أو لا شهادة..!! عشقت الفن والموسيقىوالغناء. حفلات في أرقى البيوت البغدادية، فكان ناظم الغزالى القدر المحتوم. القدر المنتظر في حياتها. عشقته ثم تزوجته رغم أنه يصغرها بأكثر من عقد من السنين..! ثم بدأت حياة جديدة لكليهما، حياة فنية، حياة طافحة بالحب والفن والامل، تجربة جديدة، خبرة جديدة كيان جديد. اغان جديدة، علاقات جديدةلكنها لم تدم طويلاً..! أعمال فنية كثيرة، صفقات رابحة، خيبة في النهاية..!

لقد مات ناظم الغزالي وهو في ريعان شبابه، وبقيت سليمة مراد وحيدة مع نفسها حتى وفاتها. أيام لا تنسى مع حبيب ملك القلب حباً وعشقاً. سنوات عشر عاشا فيها كزوجين حبيبين فنانين..!

لعديد من الاسباب، يمكن القول ان اغاني سليمة مراد مثل الهجر مو عادة غريبة  او هذا مو انصاف منك او غيرهما. لم تكن نتاجاً فردياً لسليمة مراد بإعتبارها مؤدية مشهورة.ولا لملحنها ولا لكاتبها في حقيقة الامر. إذ انها توحي للسامع بأنها انعكاس حقيقي لثقافة المجتمع الجمالية ككل..! حيث نراها غزيرة في مضامينها التعبيرية لروح الحياة الذوقية في مجتمع أهل بغداد أو أهل العراق عموماً. وانعكاس لحقائق البيئة البغدادية والعراقية. بالرغم من حقيقة المعلومات المنظورة والتي تؤكد بانها نتاج لمؤدٍ وملحن وكاتب كلهم فنانون وادباءمعلومون في المجتمع..!

لقد كان هذا النجاح الذي يوحي لنا بتعابير هذه الاغاني وكأنها نتاجات ساهم بها كل أفراد الشعب في الاداء واللحن والكلمات..! ويمكن القول أن هذه الرؤية التحليلية تدلنا على ان سليمة قد ركّزت جلَّ إهتمامها على الخزين التراثي من الموسيقى والغناء. وأنطلقت من هذا الخزين الهائل لتعبِّر عن روح عصرها ومحاكاة أذواق الناس المعاصرين لها. وتشربت من بيئتها بكل ثقافتهاالمجتمعية. وهكذا طبيعة خلود هذه الاغاني وما يماثلها في نفوس المجتمع. لانها لم تكن مجرد نتاج اغنية لمغنية معينة أو ملحن أو كاتب معينين..! بل أنها من مصدر تعبيري نابع من الالهام الحياتي الذي يفترض وجود خبرات الانسان العراقي بكل تاريخه الطويل..! وهكذا ايضاً يكون الوحي التعبيري عن حقيقة الحياة المعاشة. خالداً بسبب الانطلاق من التراث وتجاربه الخاصه. كما ان هذه الاغاني ومن خلال هذه الاسباب تتمتع بالصفة السحرية..! لانها نتاج الخيال البيئي، رغم اختلاط التعابير الواعية بغير الواعية. ولذلك نرى انفسنا، بانه ليس وحدنا نتخيل التعابير البيئية بطريقه سحرية. ان المبدأ الخيالي عام لكل من يعبِّر عن حقيقته المعاشة. وان الخيال نفسه يقوم بعمله بهذه الطريقة السحرية التي لايمكن تفسيرها بدقة. لانها ذات تأثير خارق ذي نتائج مدهشة لعواطف الانسان. وذلك بسبب المنطلقات الخصوصية لتراث ذلك الانسان وبيئته وهويته التاريخية.انه ليس مصادفة ان يترجم الانسان ثقافته وجمالياته وتاريخه الى حقائق تعبيرية عن طريق وسائل عديدة يكون الغناء والموسيقى احدها. واعتقد ان هذه الوسائل ان كانت عن طريق الادب او ظواهر السلوك الاخرى في الدرجة الاولى. تمثل لغة او اسلوب ما للتعبير عن حقيقة كامنه موجودة. ان الانسان لم يخلقها، بل انه امتلكها بلاوعي منه. لذلك يتحتم علينا القول وبشكل مطمئن بأن(التراث يمتلك ولايعطى). وعندما تكون هذه الوسائل رموزاً او اسلوباً او لغةً تعبيرية، ينصب الحديث بعد ذلك عن التوصيل. فعندما يتأكد لنا ان كيان هذا النتاج من الاغاني مستقى من التراث البيئي، يكون عندئذ هو الرسالة التي يراد توصيلها الى الانسان.

لنتحدث الان عن احدى اغاني سليمة مراد الجميلة. ولتكن اغنية(قلبك صخر جلمود) الملحنه من سلم مقام البستنكار المتكوّن من جنسي الصبا والسيكاه(هامش1).

حيث نلاحظ تماسك البناء اللحني المستقى روحياً من الخزين التراثي المقامي العراقي. وكذلك تماسك مفردات كلمات هذه الاغنية وبنائها الادبي والشعري بلهجة بغدادية واضحة المعنى دون أي غموض. ومن ثم ملاحظة اقتراب اللحن من التصوير المتقن لكلمات هذه الاغنية ومعانيها والتعبير عن مضمونها، وهذه الصور من التعابير المختلفة نراها ونحسُّها موجودة في اغلب اغاني سليمة مراد الاخرى.

ان التسلسل الزمني من ماضي الاغاني، يفترض ان يكون على الاقل سلسلة من التعابير عن كل حقبة من الحقب الزمنية. فاننا بالضرورة ندرك انه سلسلة من الخيال الثقافي الواعي وغير الواعي. لان جميع الاغاني هي في الاساس خيالية، لانها تعابير حسيّة تعبِّر عن شعور الفرد والمجتمع في آن واحد.

ربما تُطرح تساؤلات من قبل الجماهير حول صحة وجود اغاني بهذا القدر من التصوير..! اشعر بالغرابه..! لأن دلائل التذكير المبنية داخل كل اغنية من هذه الاغاني سواء في التعبير الغنائي او التعبير عن الكلمه او التعبير عن المسار اللحني في آن واحد، توضح لنا. ان مانسمعه هو خيال تعبيري عاطفي متماسك العلاقات، لاننا كمستمعين نشعر بفهم تصويري خيالي لهذه الاغنية او تلك بكل مقوماتها ومكوناتها وعناصرها الادائية واللحنية والادبية، لدرجة انه يمكننا ان نشعر بمزيد من المتعة والانسجام، كونها تعبِّر عن همومنا المعاصرة وواقعنا المعاش وبيئتنا المحيطة.

من ناحية اخرى يمكننا القول ان اغاني سليمة مراد ذات الوزن الايقاعي العراقي (الجورجينا العراقي الثقيل 10 /16). كأغنية (هذا مو انصاف منك) واغنية (قلبك صخر جلمود) وغيرها من مثيلاتها فيالمستوى لدى بعض المؤدين والمؤديات الاخريات المعاصرات لهذه الحقبة الزمنية. هي بمثابة وثيقه لحياة الطرب وحياة الليل وجماليات التعبير الادائي لتلك الحقبة الزمنية التي كانت بها سليمة ومعاصراتها قبل وبعد انتصاف القرن العشرين، يعكسنَ تصويراً لحياة بغداد والعراق بشكل عام. ورغم ان الصورة قد تغيّرت الآن بطبيعة الحال، الا ان الاغنية بتعابيرها الاصيلة، توفر لنا تصويراً تفصيلياً عن التسلسل التاريخي للحياة البغدادية بشكل خاص والحياة العراقية بشكل عام. وبالتأكيد ستكون ذا فائدة بعد بمرور الزمن، خاصة للمؤرخين الموسيقيين وكذلك النقاد، لمعرفة كيف سار التطور الادائي للاغنية البغدادية او العراقية على وجه التعميم، كما ان هذه الحقبة التي تعتبر حقبة تحوّل في تطور موسيقانا واغنيتنا الحديثه، ستكون فيها الاغنية ذات فائدة كبرى للباحثين الذين يدرسون حياة المدن بما فيها من كابريهات ونوادي ليلية وبارات وحانات جيدة المستوى او رديئة المستوى..!! اذ يمكن للباحث معرفه ماتعنيه دلالات كل نوع من هذه الاماكن، حيث يمكنه معرفة الفرق الكبير بين النادي الليلي الذي يرتاده النخبه الذوقية من المجتمع وناد آخر يرتاده نخبة متواضعة الذوق من المجتمع..!

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

هامش1: مقام بَستنكار عبارة عن جنس سيكاه يتبعه جنس الصَبا.

يبدأ سلّم هذا المقام بجنس السيكاه على القرار ثم يليه جنس الصَبا على الغماز (الدرجة الثالثة)، ويتداخل الصبا مع جنس الحجاز على الدرجة الخامسة، واخيراَ جنس النكريز على الجواب (الدرجة الثامنة).

 

 

صورة 1 / الفنان الاسطورة ناظم الغزالي وزوجته الفنانة الشهيرة سليمة مراد.