للذهاب الى صفحة الكاتب   

من أجل معرفة أنفع وأغنى

د. عامر ممدوح

كاتب وأكاديمي

 

ما زلت اتذكر هذه اللحظة، في إحدى شتاءات مرحلة الدكتوراه، يوم كنا نجلس طلبة عند أستاذنا الدكتور مرتضى النقيب رحمه الله وهو في آخر سنوات حياته، كان يدرسنا وقتها مادة تفكيك النصوص التأريخية، ويلقيها علينا في مكتبه، في اجواء مهيبة، عن يمينه مكتبته، ويساره بعض من أبحاثه، ومع برد العراق اللذيذ كانت أجواء المحاضرة تزداد حماساً مع طريقة تدريسه الماتعة.

 

هكذا كان يريدنا ان نكون في جو التلقي القائم على التفاعل والنقاش، واستخدام المصدر لحظة الاحتياج له أو ذكره، وتوثيق المعلومة بشكل آني لا تأخير فيه، فكان كل ذلك يضيف حافزاً ونفعاً مضاعفاً لنا.

 

وقبلها كان أستاذي المرحوم نزار الحديثي في مادة حلقة دراسة يفعل، ومثلهما أستاذتي ومعلمتي الدكتورة صباح الشيخلي حفظها الله، إذ كانت المحاضرة بعيدة عن أي سرد مجرد لا روح فيه، بل حالة من تمازج المعارف والمعلومات وتنضيج الأفكار والنقاشات.

 

وما زلت أجد نفسي منجذباً إلى أجواء الجامعات العريقة، ذات المباني التي تفوح منها رائحة المعرفة العتيقة، والتي تمتاز بالأجواء الساحرة المشجعة على إعمال العقل والتفكير وتوفير بيئة فاعلة للدرس، وذلك سواءً اتفقنا ام اختلفنا مع مضامين المناهج فيها.

 

وقبلها كان علماء المسلمين قد سبقوا غيرهم في ذلك، عبر تثبيت طرق التعلم في حلقات العلم بالمساجد، والكتاتيب، والمدارس، مرسخين منهجهم المتقدم حينها على الجميع والقائم على التزام الحفظ والفهم والتلقي المباشر والنقاش المستمر والرحلات والمناظرات العلمية، واستيعاب العلوم المختلفة.

 

وهو بالضبط ما تضمنه بوح استاذنا ووالدنا الدكتور عبد الرحمن علي الحجي رحمه الله وجعل مقامه في الفردوس الأعلى يوم كتب معبراً عن حلم وأمل لم يتحقق مع الأسف قائلاً: (كانت هناك برامج عدة منها ما عرف في مناهج التعليم الأندلسي: المشيخة والتلمذة، أن يكون هناك مجموعة من التلمذة لهم تعلق بالتاريخ الإسلامي والأندلسي بهمة إيمانية، وعلى كل حال لو كان معي من يقوم بالأمور المكتبية وإدارتها لكان هناك إنجازات أكثر وأبهر وأنور)!.

 

ان العلم لا يحتاج مدرساً ومحاضرات وأوراقاً وكتباً فحسب، بل يحتاج جواً مفعماً بالحيوية وتبادل المعلومات وتطوير الموقف منها قبولاً او رفضاً او تحييداً او تفسيراً.

 

وهو بالضبط ما كنت دوماً أضعه نصب عيني عند تدريس الطلبة تأريخ الأندلس، حين أعمل على الوصول إلى المعلومة سوية وتدقيقها معاً بعيداً عن الطرق التقليدية أو القضايا التي انتهت صلاحيتها، ومثلما فعلت يوماً مع مادة منهج البحث التاريخي، والتي أراها لا تنجح إلا بأن تتحول إلى ورش عمل مفتوحة وحلقات نقاش وتطوير وممارسة وتدريب ذاتي يتنامي شيئاً فشيئاً.

 

والخلاصة أن للعلوم أصول فلا تغادروها أو تهملوها، ومنها توفير البيئة المناسبة للتلقي، عبر تحويل أسلوب المحاضرات الرتيب إلى حلقات التعلم المباشرة واعتماد النقاش المتبادل، واحاطة الطلبة بالكتب المطلوبة، ومنح المزيد من المرونة الزمانية والمكانية لكل مادة وبشكل يفتح كل الأسوار المقيدة والتي تفرضها الأساليب التقليدية أو الاعتماد المطلق على كتاب واحد او مادة ملخصة فاقدة الطعم والقيمة!.