للذهاب الى صفحة الكاتب   

حب التظاهر والإعجاب الشديد بالنفس

صالح مهدي محمد

 

 

لا إشكال ولا ضير في أن تعتد بنفسك، ولا أن تشعر أنك أقل شأناً، ما دامت ثمة طموحات وأحلام تسعى لترجمتها في حياتك. أن تعرف قيمة ما تملك، وتفرح بما أنجزت، وتقول بثقة «أنا أستطيع»؛ كل ذلك جميل، بل ربما يكون ضرورياً حتى لا يعيش الإنسان بقامة منحنية أمام الآخرين.

المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الثقة بالنفس إلى معرض دائم، ويصبح الإنسان مشغولاً بإثبات أنه مهم أكثر من انشغاله بأن يكون مهماً فعلاً.

هناك من لا يدخل مكاناً، بل يدخل ومعه سيرة ذاتية كاملة. يجلس إلى المائدة، وقبل أن يسأله أحد عن أخباره، يكون قد أخبر الجميع أنه يعرف فلاناً، وأن فلاناً يعرفه، وأنه جلس يوماً مع شخص مهم، قال له كلاماً مهماً، وأن الحكاية تطول لكنه «لا يريد الحديث عن نفسه كثيراً»... ثم يتحدث عن نفسه ساعة!

وهذا النوع لديه قدرة عجيبة على تحويل أي موضوع إلى مناسبة للحديث عن إنجازاته:

إذا قلت له إنك اشتريت كتاباً، قال: «عندي مكتبة كبيرة، وأغلب الكتب المهمة قرأتها».

إذا قلت إنك سافرت إلى مدينة جميلة، قال: «زرتها قبل سنوات، وعندي ملاحظات كثيرة عليها».

حتى إذا قلت إنك متعب، قد يجيبك: «مررت بأيام أصعب من هذه بكثير»... كأن التعب نفسه يحتاج إلى منافسة!

والطريف أن بعضهم لا يتباهون بما يملكون، بل بما يعرفون. والمعرفة عندهم ليست وسيلة للفهم، وإنما لإثبات التفوق. تسأله عن شيء بسيط، فيجيبك بمحاضرة:

وفي العمل، يظهر التبجح بصورة أكثر هدوءاً. فهناك موظف ينجز عمله بإتقان، وهذا أمر جميل. وهناك موظف ينجز عملاً عادياً، لكنه يتعامل معه كأنه أنقذ المؤسسة من الإفلاس.

إذا أصلح خطأً صغيراً قال: «لولا أني انتبهت، لكانت كارثة». وإذا تأخر العمل لسبب لا علاقة له به، كان أول من يقول: «أنا من البداية كنت متوقعاً هذا الشيء».

هذا النوع لا ينتظر النجاح كي يتحدث عنه؛ يتحدث عنه احتياطاً، فقد يأتي النجاح متأخراً!

وفي المجالس، للتظاهر أشكال أخرى. أحدهم يصر على دفع الحساب في كل مرة، ليس لأنه كريم فقط، وإنما ليتأكد أن الجميع شاهد كرمه. يمد يده إلى المحفظة قائلاً: «خليها عليّ»، وإذا حاول أحدهم الاعتراض أعلن الرفض القاطع. وبعد انتهاء الجلسة، يتحدث عن المبلغ الذي دفعه وكأنه موّل مشروعاً خيرياً! والكرم الحقيقي، في رأيي، لا يحتاج إلى مؤتمر صحفي.

ومن صور التظاهر، ذلك الشخص الذي يشتري شيئاً لا يحتاجه لمجرد أن يبدو أكثر أهمية؛ سيارة أكبر من حاجته، أو ساعة أغلى من قدرته، أو أثاثاً لا يعرف أين يضعه، ثم يقضي يومه يبرر اختياره. والغريب أنه قد يكون مرهقاً من أقساطها، لكنه سعيد بنظرة الآخرين. يدفع شهرياً كي يسمع مرة واحدة: «ما شاء الله، خوش سيارة!». وهنا يصبح الإعجاب بالنفس مشروعاً استثمارياً غريباً: تدفع من جيبك حتى يعجب بك الآخرون!

حتى في المناسبات، يظهر هذا السلوك بطريقة طريفة. قد يذهب أحدهم إلى مناسبة بسيطة ممتدياً ملابس تجعلك تعتقد أنه ذاهب لافتتاح مدينة جديدة. وحين تسأله: «المناسبة عادية؟»، يجيب: «أعرف، بس الواحد لازم يحافظ على مظهره»... أحياناً يكون المظهر محافظاً على نفسه أكثر مما يحافظ صاحبه عليه!

لا مشكلة في أن يحب الإنسان نفسه، فالذي لا يرى في نفسه شيئاً جميلاً قد يصعب عليه رؤية الجمال في الآخرين. لكن هناك فرقاً بين أن تعرف قيمتك وأن تطلب من الجميع التصفيق لها، بين أن تقول «أنا جيد في هذا العمل» وبين أن تجعل كل حديث يدور حول براعتك، بين أن تفرح بإنجازك وبين أن تجعله مقياساً لقيمة الآخرين.

والأجمل أن الإنسان الواثق حقاً لا يحتاج إلى إعلان ثقته كل خمس دقائق. يكفي أن يعمل، وينجز، ويتعلم، ويخطئ فيعترف، وينجح دون أن يرفع صوته أكثر من نجاحه. أما الذي يحتاج دائماً إلى أن يقول للناس كم هو عظيم، فربما يكون في داخله سؤال صغير يخاف أن يسمعه: «هل أنا فعلاً كما أقول؟»

ولذلك، لا بأس أن تعجب بنفسك قليلاً؛ اشكرها حين تنجح، وقل لها أحسنتِ، وضع أمامها حلماً كبيراً وامضِ إليه. لكن لا تجعل من نفسك جمهوراً لنفسك طوال الوقت. فقد يأتي يوم تدخل فيه مجلساً، فتجد الجميع يعرفون أنك مبدع وكريم ومهم، دون أن تحتاج إلى التبجح، أو أن تقول عن نفسك أكثر مما يعرفه الناس عنك.