للذهاب الى صفحة الكاتب   

فنّ النجاة من النصائح التي لا تُطلب

صالح مهدي محمد

 

 

في حياتنا اليومية، لا شيء أكثر وفرة من النصائح… ولا شيء أقل طلبًا منها في الوقت نفسه. ومع ذلك، فهي تأتيك كما يأتيك البعوض في ليلة صيف: لا تستأذن، لا تشرح سبب وجودها، لكنها تتركك في حالة من الحكة الفكرية والانزعاج الوجودي.

 

تفتح باب يومك على عجل، فتجد أول نصيحة في انتظارك عند الباب، على هيئة جارٍ يملك خبرة في كل شيء: من تربية الأبناء إلى إصلاح العالم. يقول لك بثقة: “لو كنت مكانك لفعلت كذا…”، ثم يشرح لك كيف يجب أن تعيش حياتك بالتفصيل، رغم أنك لم تطلب منه حتى أن يشرح لك الطريق إلى بقالة الحي.

 

في العمل، الوضع أكثر احترافًا. هناك دائمًا زميل يمتلك “الطريقة الصحيحة الوحيدة” لإنجاز كل شيء. حتى لو كان الموضوع لا علاقة له بتخصصه، ستجده يقترب منك بهدوء، ثم يبدأ بجملة خطيرة: “أنت تفكر بطريقة تقليدية…”، وكأن التفكير أصبح هو المشكلة، لا الحل.

 

أما العائلة، فهي المدرسة العليا في فن النصائح غير المطلوبة. هناك دائمًا من يرى أنك تأكل كثيرًا، أو قليلًا، أو في الوقت الخطأ، أو ربما بطريقة لا تليق بتاريخ العائلة. نصائح تُقال بمحبة طبعًا… لكنها محبة تشبه الضغط العالي: ترفع مستوى التوتر وتخفض مستوى الصبر في آن واحد.

 

ومع مرور الوقت، يكتشف الإنسان مهارة مهمة جدًا للبقاء: فنّ النجاة من النصائح التي لا تُطلب.

هذه المهارة لا تُدرّس في المدارس، ولا تُمنح شهادة عليها، لكنها ضرورية أكثر من أي شهادة أخرى. أول قواعدها: أن تتقن مهارة “الاستماع دون استيعاب”. أي أن تهز رأسك بإيماء خفيف يوحي بأنك تتأمل الحكمة العميقة، بينما في داخلك تفكر في شيء آخر تمامًا… مثل ما ستأكله بعد قليل.

 

القاعدة الثانية: استخدام جملة محايدة تصلح لكل المناسبات، مثل: “إن شاء الله”، “فكرة جيدة”، أو “سنرى لاحقًا”. هذه الجمل ليست حلولًا، لكنها أشبه بمظلات فكرية تحميك من سيول النصائح المفاجئة.

 

القاعدة الثالثة والأهم: لا تدخل في نقاش. لأن النقاش مع صاحب النصائح غير المطلوبة يشبه محاولة إقناع ساعة حائط بأن تتوقف عن الدقّ: هي لا تفهمك، لكنها مستمرة.

 

لكن الطريف في الأمر أن النصائح غير المطلوبة لا تأتي دائمًا من الآخرين فقط… أحيانًا، يقرر عقلك أن يتحول إلى مستشار داخلي مزعج. يذكّرك بأخطاء قديمة في لحظات حرجة، ويقترح حلولًا متأخرة جدًا، مثل شخص يصل إلى الحفلة بعد انتهائها ويصرّ على تنظيمها من جديد.

 

حتما بعد ذلك، نكتشف أن المشكلة ليست في النصائح نفسها، بل في توقيتها. فالنصيحة حين تأتي في وقتها تصبح حكمة، وحين تأتي بلا طلب تصبح عبئًا متنكرًا في زيّ الحكمة.

ولهذا، يظل الإنسان المعاصر يتأرجح بين نصائح الآخرين وضجيج نصائحه الداخلية، محاولًا أن ينجو بابتسامة خفيفة، وكأنها خوذة واقية من الحياة.