
من أجل الحقيقة التاريخية... رسالة إلى إخوتنا الآشوريين
د. عامر ملوكا
ليس الهدف من هذه الرسالة الدخول في جدل حول الهويات، ولا التشكيك بحق أي شعب في الاعتزاز باسمه وتاريخه، فذلك حق طبيعي ومشروع لجميع الشعوب، ومن بينها الآشوريون والكلدان والسريان. وإنما الهدف هو مناقشة المنهج الذي تُبنى عليه المطالبات التاريخية والقانونية، لأن نجاح أي قضية عادلة لا يعتمد فقط على قوة المشاعر أو الخطابات، بل على قوة الأدلة التي تستند إليها.
فلا يختلف اثنان على أن لكل شعب الحق في الدفاع عن هويته، والمحافظة على تاريخه، والمطالبة بحقوقه المشروعة. وهذا الحق مكفول للآشوريين كما هو مكفول للكلدان والسريان وسائر المكونات الأصيلة في بلاد ما بين النهرين. ومن حق كل شعب أن يعتز باسمه، ويحافظ على تراثه، ويصون ذاكرته الجماعية، وينقلها إلى الأجيال القادمة.
غير أن الدفاع عن الحقوق، وخاصة الحقوق التاريخية والقومية، لا ينجح بمجرد عدالة القضية، بل يحتاج أيضاً إلى سلامة المنهج الذي تُبنى عليه المطالبات. فالمؤسسات الدولية، والمحاكم، والهيئات الأكاديمية لا تنظر إلى النوايا أو الخطابات، بل إلى قوة الأدلة، ومدى انسجامها مع الوثائق الرسمية، وقدرتها على الصمود أمام التدقيق التاريخي والقانوني. ولذلك فإن أي مطالبة لا تستند إلى وثائق متماسكة قد تمنح الطرف المقابل فرصة للطعن فيها، حتى لو كانت القضية في جوهرها عادلة.
لقد تعرض المسيحيون في الدولة العثمانية، ومنهم الكلدان والسريان وأبناء كنيسة المشرق وغيرهم، إلى مآسٍ جسيمة خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، ولا سيما في أحداث سيفو وسفر برلك، حيث فقد مئات الآلاف حياتهم، وهُجّرت مجتمعات كاملة من مواطنها التاريخية، ودمرت قرى وكنائس وأديرة، وتركت تلك الأحداث جرحاً عميقاً ما تزال آثاره حاضرة في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة.
ولا خلاف على أن أبناء المكونات الكلدانية والسريانية والآشورية كانوا جميعاً من ضحايا تلك المآسي، ويستحقون جميعاً الاعتراف والإنصاف. فالمأساة الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للتنافس أو احتكار المعاناة، لأن الألم التاريخي كان مشتركاً، والعدالة يجب أن تشمل الجميع.
غير أن المشكلة لا تكمن في الاعتراف بالضحايا، بل في الطريقة التي يقدم بها هذا الملف أمام العالم. فالأرشيف العثماني، وهو المرجع الرسمي الأساسي لدراسة تلك المرحلة، كان يعتمد نظام الملل والطوائف الدينية، وليس المفاهيم القومية الحديثة التي تطورت لاحقاً. ولذلك نجد في وثائقه الرسمية تسميات مثل الكلدان والسريان والأرمن والروم وغيرها، بينما لا يظهر اسم الآشوريين بوصفه التسمية الرسمية الغالبة في تلك السجلات.
وهذه الحقيقة لا تعني بأي شكل من الأشكال إنكار وجود الآشوريين أو تاريخهم، وإنما تعكس طبيعة النظام الإداري العثماني وطريقة تصنيف السكان في ذلك العصر. لكنها في الوقت نفسه تفرض على كل من يريد بناء ملف تاريخي أو قانوني أن ينطلق من لغة الوثائق والمصادر الأصلية، لا من المفاهيم التي ظهرت أو تطورت في مراحل تاريخية لاحقة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يستحق نقاشاً هادئاً ومسؤولاً: إذا كان الهدف هو الحصول على اعتراف دولي أوسع أو المطالبة بحقوق تاريخية، فهل يؤدي تجاوز التسميات الواردة في الوثائق الرسمية وحصر جميع الضحايا تحت تسمية واحدة إلى تقوية الملف أم إلى إضعافه؟
فمن الناحية القانونية، لا تقوم قوة أي مطالبة على عدالة القضية وحدها، بل على مدى انسجامها مع الأدلة التاريخية والوثائق الرسمية. وعندما يتم تقديم جميع الضحايا تحت تسمية لا تتطابق دائماً مع لغة المصادر التاريخية، فقد يمنح ذلك الجهات التي تنكر الجرائم أو ترفض المطالبات فرصة للطعن في الملف، ليس لأن المأساة لم تقع، بل لأن طريقة عرضها لا تنسجم مع الوثائق التي تؤرخ لتلك المرحلة.
ومن هنا فإن القضية ليست قضية إنكار هوية معاصرة لأي مكون، وإنما قضية منهج علمي في عرض الوقائع التاريخية أمام المؤسسات القانونية والأكاديمية. فكلما اقترب الخطاب من لغة الوثائق، ازدادت قوته ومصداقيته، وكلما ابتعد عنها ازدادت فرص التشكيك فيه.
كما تؤكد الأنظمة القانونية في دول المنطقة أن الاعتراف بالمكونات يختلف من دولة إلى أخرى ويعتمد على النصوص الرسمية لكل دولة. فالدستور التركي الحديث وليس العثماني لا يذكر الكلدان أو السريان أو الآشوريين بالاسم، ولا يعترف بهم كأقليات دستورية مستقلة، رغم وجودهم التاريخي المعروف. أما الدستور الإيراني فيذكر الكلدان والآشوريين صراحة ويمنحهما مقعداً برلمانياً مشتركاً، بينما يرد اسما الكلدان والآشوريين أيضاً في الدستور العراقي.
وهذا يوضح أن الاعتراف القانوني مرتبط بالسياق الدستوري والسياسي لكل دولة، ولا يجوز تعميم تجربة واحدة على جميع البلدان أو اختزال جميع المكونات تحت تسمية واحدة، لأن الواقع التاريخي والقانوني أكثر تعقيداً من ذلك.
والأخطر من ذلك أن حصر جميع الضحايا تحت تسمية واحدة قد يؤدي، من حيث لا يقصد أصحابه، إلى تهميش الحقوق التاريخية والقانونية للكلدان والسريان الذين وردت تسمياتهم صراحة في العديد من الوثائق والسجلات الرسمية والاشوريين بنفس الوقت، في حين أن المأساة لم تستهدف جماعة واحدة، بل طالت مختلف المكونات المسيحية التي عاشت في تلك المناطق.
ولهذا فإن بعض المبادرات التي تحصر ضحايا سيفو وسائر المآسي التاريخية تحت تسمية واحدة فقط، سواء من خلال المؤتمرات أو النصب التذكارية أو البيانات أو الملفات المقدمة للرأي العام، قد تؤدي إلى نتيجة عكسية لما تهدف إليه، لأنها قد تضعف الملف أمام الباحثين والمؤسسات التي تعتمد على الوثائق التاريخية الرسمية.
إن هذه الملاحظة لا تستهدف هوية الآشوريين، ولا تنتقص من حقهم الكامل في الدفاع عن تاريخهم وحقوقهم، بل تتعلق بسلامة المنهج المستخدم في عرض القضية. فالفرق كبير بين احترام الهوية المعاصرة لأي شعب، وبين بناء ملف تاريخي وقانوني قادر على الصمود أمام التدقيق العلمي.
إن الدفاع عن حقوق الآشوريين حق مشروع، كما أن الدفاع عن حقوق الكلدان والسريان حق مشروع أيضاً. ولا يجوز لأي طرف أن يلغي هوية الطرف الآخر أو يصادر تاريخه أو يتحدث باسمه من دون موافقته. فالعدالة لا تتحقق باستبدال اسم باسم، ولا بجعل هوية واحدة بديلاً عن هويات أخرى، بل بالاعتراف بكل مكون كما عرف نفسه وكما يظهر في المصادر التاريخية والوثائق الرسمية.
كما أن مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الأقليات تقوم على احترام حق كل جماعة في الحفاظ على اسمها وهويتها وتراثها وثقافتها، وليس على فرض هوية واحدة على جماعات متعددة. ولذلك فإن احترام التعددية التاريخية لا يضعف أي مطالبة، بل يمنحها قوة أكبر ومصداقية أعلى.
إن وحدة الموقف لا تعني توحيد الهويات، بل تعني التعاون بين الكلدان والسريان والآشوريين للدفاع عن حقوق جميع الضحايا، مع احترام خصوصية كل شعب وتسميته وتاريخه. فالحقيقة التاريخية ليست عائقاً أمام الوحدة، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه وحدة صادقة وقوية قائمة على الاحترام المتبادل.
ولا شك أن المطالبة بالحقوق تحتاج إلى من يحمل هذه المطالب ويدافع عنها باستمرار، كما تحتاج إلى وجود اجتماعي وجغرافي وثقافي حقيقي على الأرض. فالشعوب لا تحافظ على وجودها بالاسم فقط، بل بوجودها الفعلي، ومؤسساتها، ومدنها وقراها، وتراثها الذي حافظت عليه عبر الأجيال.
واليوم، وبعد عقود من الهجرة والتهجير، أصبح الوجود المسيحي في العراق محدوداً مقارنة بما كان عليه سابقاً، وهو موزع بين مكونات تاريخية متعددة في مقدمتها الكلدان والسريان والآشوريون، ولكل مكون تاريخه وخصوصيته وهويته التي تستحق الاحترام والحفاظ عليها.
فالعديد من المدن والبلدات المسيحية تحمل خصوصية تاريخية واضحة؛ فعنكاوا والقوش وتلسقف وزاخو تمثل مراكز بارزة للوجود الكلداني، بينما تعد قرقوش وبرطلة من أهم مراكز الوجود السرياني، إضافة إلى بلدات أخرى ارتبطت تاريخياً بمختلف المكونات المسيحية العراقية.
ومن هنا فإن أي مطالبة بحقوق المسيحيين في العراق، سواء في المؤتمرات الدولية أو المحافل السياسية، يجب أن تقوم على تمثيل حقيقي لجميع المكونات، لأن القضية ليست قضية جماعة واحدة، بل قضية شعب مسيحي عراقي أصيل بكل تنوعه. إن حضور طرف واحد دون مشاركة بقية المكونات قد يضعف الموقف ويشتت الجهود، بينما تكمن القوة في وحدة الصف المبنية على الاعتراف المتبادل.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق القيادات السياسية والثقافية والإعلامية، ولا سيما الأحزاب والقيادات الآشورية والكلدانية والسريانية، مسؤولية تاريخية في توجيه الرأي العام نحو خطاب يقوم على الحقيقة والواقعية، بعيداً عن الانفعال والتنافس في احتكار التاريخ أو الهوية.
كما تقع على عاتق المثقفين والباحثين والأكاديميين والإعلاميين مسؤولية توعية المجتمع بأن قوة أي مطالبة دولية لا تقاس بالشعارات، بل بمدى انسجامها مع الوثائق التاريخية وصلابة أسسها القانونية ووحدة الجهود لتحقيق العدالة.
إن الحكمة تقتضي أن تكون وحدة الصف قائمة على الاعتراف المتبادل، لا على إلغاء الآخر، وأن يكون المستقبل مبنياً على الشراكة والاحترام والتكامل بين الكلدان والسريان والآشوريين. فالتنوع التاريخي ليس مصدر ضعف، بل مصدر قوة عندما يُدار بروح المسؤولية والصدق العلمي.
فالتاريخ لا يخدمه الانفعال، بل تخدمه الحقيقة. والحقوق لا تحفظ بالشعارات، بل تحفظ بالوثائق والبحث العلمي واحترام هوية كل شعب كما هي، لا كما يرغب الآخرون في تصويرها. فالحقيقة التاريخية ستبقى الأساس الأكثر صلابة لحماية حقوق جميع أبناء شعبنا المسيحي، والدفاع عن ذاكرتهم الجماعية، وبناء مستقبل يقوم على العدالة والاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية.
