
بعد أن فُتحت البوابات، الإنسان في مواجهة العالم المتغير
يونس متي
لم يشهد الإنسان في تاريخه الحديث اتساعاً في الوصول إلى المعرفة والمعلومة كما يشهده اليوم. فما كان بعيداً أصبح قريباً، وما كان يحتاج إلى وقت وجهد صار متاحاً خلال لحظات. انفتحت الأبواب أمام الكتب والصحف والفضائيات والمواقع والمنصات، ثم جاءت الهواتف الذكية لتضع العالم كله تقريباً في متناول اليد.
كان ذلك تحولاً هائلاَ. لكن فتح البوابات، كما رأينا، لم يكن نهاية الحكاية. فقد وجد الإنسان نفسه فجأة أمام فضاء مفتوح لم يكن بالضرورة جاهزاً للتعامل معه.
وهنا يبدأ السؤال الذي يخص الإنسان نفسه، ماذا يفعل حين تصبح أمامه كل هذه الخيارات؟ وكيف يتعلم أن يختار؟
في العراق مثلاً، كان امتلاك جهاز استقبال فضائي (ساتلايت) في زمن النظام السابق ممنوعاً، ثم تغير العالم فجأة، فوجد العراقي نفسه أمام مئات الفضائيات، وبعدها آلاف المواقع والمنصات، ثم أمام هاتف صغير يحمل في داخله عالماً لا ينتهي من الأخبار والصور والأفكار والآراء.
حدث التحول بسرعة، بينما يحتاج الإنسان وقتاً أطول لكي يتعلم كيف يتعامل مع التحولات الكبيرة.
وهنا يصبح الإنسان هو المحور. فحين تتسع أمامه الخيارات، لم يعد السؤال، من يقرر له ماذا يقرأ وماذا يسمع؟ بل، كيف يختار بنفسه؟
فالحرية لا تعني أن نقرأ كل شيء أو نصدق كل شيء، وإنما أن نمتلك القدرة على الاختيار والسؤال والمقارنة. وليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا كلما ظهر رأي جديد، بل أن نعرف لماذا نؤمن بما نؤمن به، وأن نكون قادرين على مراجعة فهمنا له.
فالإنسان الواثق من قناعته لا يحتاج إلى منع الآخرين من الكلام لكي يحافظ عليها. أما عندما تصبح القناعة بحاجة إلى إسكات المختلف كي تستمر، فإنها لا تعود قناعة تحميها الحجة، بل تتحول إلى جدار يحمي نفسه.
يمكن للإنسان أن تكون له مبادئ وقيم راسخة، وأن يظل في الوقت نفسه قادراً على مراجعة فهمه لها. فالتغير لا يعني التخلي عن جوهر القناعات، وإنما تطوير طريقة فهمها والتعامل معها مع تغير الحياة وتجدد أسئلتها.
وربما هنا يكمن الفرق بين الإنسان الذي يتعلم والإنسان الذي يعلن أنه وصل. الأول يعرف أن الحياة أكبر من معرفته، وأن السؤال قد يكشف له ما لم يكن يراه. أما الثاني فقد يجد في معرفته سبباً للتوقف، وفي قناعته مبرراً لعدم الإصغاء.
وعندما يتوقف الإنسان عن السؤال، قد يعود الحارس من جديد، ولكن بصورة مختلفة، جماعة ينتمي إليها، أو فكرة يخشى مراجعتها، أو قناعة يخشى أن يهتز جزء منها إذا اقترب منها بسؤال جديد.
وهكذا يمكن أن تفتح التكنولوجيا أبواب العالم أمامنا، ثم نبني نحن داخله أبواباً أخرى. نقرأ من يشبهنا، ونسمع من يؤكد ما نعتقده، ونتجنب ما يزعج يقيننا. نعيش في فضاء مفتوح، لكننا نختار لأنفسنا فضاء مغلقاً داخله.
وهنا يظهر سؤال آخر، هل نستطيع أن نعيش معاً ونحن مختلفون؟
ليس المطلوب أن نصل جميعاً إلى الرأي نفسه. العيش معاً يعني أن نستطيع أن نختلف وأن نبقى، رغم اختلافنا، في فضاء واحد، وألا يتحول الاختلاف إلى رغبة في إلغاء بعضنا بعضاً.
وبذلك تصبح القيم جزء من معنى الحرية، قيم تجعل الاختلاف ممكن، والنقد مقبول، وتجعل الإنسان قادراً على أن يقول (لا أوافق) من دون أن يعني ذلك (أريد أن أمنعك).
لكن يبقى سؤال آخر، من يتحكم بالجودة؟
إذا كان الجميع قادرين على النشر، فمن يميز بين الجيد والرديء، وبين المعرفة والضجيج، وبين الرأي والتحليل، وبين المعلومة الدقيقة والمضللة؟
لا أعتقد أن الجواب هو العودة إلى حارس واحد يقرر نيابة عن الجميع. ربما يكون البديل في بناء الوعي نفسه.
فالجودة لا يفرضها حارس واحد بقدر ما يصنعها وعي يتشكل بالتراكم؛ بالقراءة والتجربة والمقارنة والنقد ومراجعة ما كنا نظنه صحيحاً.
القارئ لا يولد بمعيار جاهز للجودة. إنه يبني المعيار مع الوقت. يكتشف أن العنوان الجذاب لا يعني بالضرورة مادة جيدة، وأن كثرة المعلومات لا تعني كثرة المعرفة، وأن شهرة الكاتب لا تضمن جودة ما يكتب.
وهكذا يصبح التمييز نفسه جزء من التعلم.
فالكاتب مسؤول عما يكتب، والمحرر عما يمرره، والمؤسسة عن معاييرها، والقارئ عن اختياراته وثقته. والجودة في النهاية ليست أمر يفرض من أعلى فقط، بل نتيجة وعي يتراكم داخل المجتمع.
ولهذا فإن التعلم ليس مرحلة نصل إليها ثم ننتهي منها.
التعلم ثم التعلم.
ما دمنا نعيش، فإن الحياة تطرح جديداً، والجديد يطرح سؤالاً، والسؤال يفتح احتمالاً جديداً للفهم. وقد تكون التكنولوجيا قد سبقت قدرتنا على التعامل معها، لكن الحل ليس إغلاق الأبواب من جديد. علينا أن نتعلم كيف نعيش في العالم الذي أصبح أمامنا.
وربما يحتاج ذلك قبل كل شيء إلى قدر من التواضع: أن نعرف أننا نعرف، وأن نعرف أيضاً أن ما لا نعرفه أكبر مما نعرفه.
فالإنسان الذي يقول (وصلت) ويعتقد أن ما لديه من معرفة يكفيه يغلق الباب على نفسه. أما الإنسان الذي يقول (ما زلت أتعلم)، فإنه يبقي الباب مفتوحاً أمام الجديد.
وهذا لا يعني أن يعيش بلا قناعة، ولا أن يغير مبادئه مع كل فكرة جديدة، بل أن يظل قادراً على السؤال والمراجعة، وألا يصبح سجيناً لما يعرفه.
فالإنسان الذي يستطيع أن يعيش مع عالم متغير ليس الذي يتخلى عن قناعاته، ولا الذي يتشبث بها مهما تغيرت الحياة، بل الذي يطور فهمه لها ويظل قادراً على التعلم والتكيف من دون أن يفقد جوهره.
لقد فُتحت البوابات.
والتحدي الآن ليس بإيجاد حارس جديد، بل أن نتعلم كيف نعيش من دون حارس.
التعلم ثم التعلم، وبشيء من التواضع، ما دامت الحياة نفسها تتغير.
أن نحرس وعينا، لا وعي الآخرين.
