
من رحم النضال/ 61
د. مزاحم مبارك مال الله
وصلتُ إلى الاستعلامات ومعي حقيبة يدوية صغيرة والأخرى سامسونايت، فوجدتُ رجلاً بالزيّ الرسمي (بدلة مع الباج)، وراح يسألني بالتشيكية، فكنتُ أجيبه بالإنكليزية. فقال: "عرب.. عرب"، فأشرتُ برأسي: "نعم".
ثم أشار لي بالجلوس، فجلستُ وبقيتُ أنتظر. بعد مرور حوالي 20 دقيقة، جاءني شخص يتكلم العربية، وعرّفني أنه من الجزائر، وفعلاً كانت لهجته تدل على ذلك بلكنته الفرنسية.
ثم سألني، بعد أن عرف أني عراقي:
– من تعرف هنا؟
قلتُ: أنا أتيتُ إلى أحد معارفي، وهو عراقي اسمه (عادل مصري).
فقال: انتظر، سيأتيك من يهتم بك. تركني الجزائري، وبعد مرور عشر دقائق جاء شخص (يبدو تشيكياً) ومعه ساندويش وعصير.
كنتُ اشعر بالتعب والجوع، وجاء ما أحضره هذا الموظف في وقته المناسب، فبدأتُ ألتهم ذلك الساندويش، والذي بدا لي من أول قضمة أنه ألذّ طعام تناولته في حياتي. وأثناء تناولي الطعام، جاءني شخص مرحّباً، ومن لهجته عرفتُ أنه عراقي، قائلاً:
"أنا من طرف عادل مصري، اهلا وسهلا، ممكن جوازك؟"
وبعد أن قلّب الجواز قال: "عذراً أخ مزاحم على هذا الإجراء، لكنه ضروري. أهلاً وسهلاً مرة اخرى." ثم نهض قائلاً: "انتظر هنا، نصف ساعة وينتهي الدوام، وسآخذك إلى بيت عادل."
بقيتُ ساكناً في مجلسي، أشعر بالبرد، وأنا منبهر بالأجواء الجميلة التي أعيشها في تلك اللحظات. أشعر بالأمن والأمان، وكأني في أحد مقرات الحزب أو في بيتٍ من بيوت أهلي. وبدتْ لي كلّ ما مررتُ به كفيلمٍ سينمائي أمام ناظري. أنظر بعين الريبة والقلق والحذر لما سأراه مستقبلاً في هذه الرحلة المضنية، أملاً في لقاء (س. ع).
وسافرتْ بي الأحداث إلى بغداد والموصل ومعسكر التدريب ودوائر التجنيد وغرفتي ورسوماتي وأمي المسكينة، وكأني سارح في نومٍ عميق، وما أراه إلا أحلام الماضي المتعب. ولم أستيقظ إلا على صوتٍ كأنه من خارج جسدي:
– أخ مزاحم.. يلا تفضل.
رفعتُ رأسي إلى المنادي، فإذا به نفس العراقي الذي جاءني، قائلاً:
– الآن انتهى الدوام، لنذهب إلى بيت أبو سرود؟ هل معك حقائب؟
– لا، هي هذه فقط. كانت معي حقيبة سامسونايت.
تحركت بنا السيارة في أجواء ممطرة، وهي الأجواء التي أعشقها، قائلاً في نفسي، وكأني أحدث رفيقنا السائق: "هنيئاً لكم هذه الحياة."
( يتبع )
