
يوميات حسين الاعظمي (1480)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 2
صدّيقة الملّاية
المطربة الرائدة
(1900-1970)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
***
إن طبيعة صوت هذه المرأة، ينحو منحى الغلاظة نوعاً ما. وتحسُّ به احياناً وكأنه يحاول الالتحاق بركب الصوت الرجالي..! مُفتخراً بهذه الميزة التي قد تنفر منها امرأة غيرها. ولعل من المناسب ان نذكر ان هذه الغلاظة(ان أجيز هذا التعبير). خدمت المطربة الراحلة صدّيقة الملاية في غنائها وتعبيرها. إذا ماتذكرنا ان غناء المقام العراقي يميل نحو الانفعال الحاد في تعابير ادائه. لامر يتعلق بانصهار ظروف المنشأ والتكوين البيئي ومساعدة روافد عديدة. ومن ناحية اخرى، لابد ان نذكر أيضاً ان غلاظة صوت المطربة صدّيقة الملاية، لم يكن تكويناً فيزيائياً أو فسلجياً طبيعياً لصوتها. أي ان هذه الغلاظه في صوتها لم تكن اصيلة، وانما جاءت بعد الاجهاد المضني والمتعب لصوتها عند ممارستها الشعائر الدينية بكثرة في مقتبل عمرها وكذلك كثرة السهر واقامة الحفلات الليلية الكثيرة بعدئذ واسباب اخرى..! مما اضفى على صوتها حدة اقتربت من حدة التعابير الرجالية. وينظر إلى هذه الحالة، على ان صوت صدّيق الملاية قد تضرر من جراء اجهادها لصوتها. لكنها كانت مفارقة، فرُب ضارة نافعة. لان التجربة النسوية في الاداء المقامي خلال القرن العشرين تكاد تكون قد ابتدأت من صدّيقة الملاية وبواسطة تعابيرها الغنائية التي جاءت بصوتها الغليظ الذي كان له وقعاً مؤثراً في المجتمع المقامي من الرجال خاصة..! الامر الذي ساعد على تهدئة ثورة الرجال التقليديين من قضية دخول المرأة عالمهم المقامي..! وبذلك حصلت صدّيقة الملاية على مناصرة عدد لابأس به من المجتمع الرجالي الذي أخذ بتزايد اعداده من الجمهور الذي كان حتى ذلك الحين رافضاً الاستماع إلى المقام العراقي بصوت أمرأة..! وعليه فقد اصبحت صدّيقة الملاية بدايه طيبة للتجربة النسوية في غناء المقامات العراقية. وبسببها امكننا الحديث عن هذه التجربة التي طال انتظارها زمناً طويلاً.
ان ظهور صدّيقة الملاية فـي الغنـاء المقامي، كان امراً جمالياً وفنياً واجتماعياً. اقتحم ذلك السكون الذي استمر قروناً من الزمن. ذلك الغموض الذي اكتنف الوجود النسائي الهارب من رؤية المجتمع. الهارب من كل شيء..! حتى من نفسه، ومن تطلعاته. ومن اهوائه الانسانية..!!
على كل حال، تمتعت المطربة الرائدة صدّيقة الملاية(واسمها الحقيقي، فرجة بنت عباس)(هامش1)في العراق بشهرة واسعة وريادة شامخة للصوت النسائي في غنائنا وموسيقانا العراقية..! منذ عشرينات القرن العشرين في مدينة بغداد العاصمة. وكان من اهم اسباب هذه الشهرة وهذه الريادة. دخولها المجتمع المقامي وغنائها لبعض المقامات العراقية أسوة بالرجل الذي احتكره لوحده طيلة القرون الماضية. الامر الذي جعل هذه الشهرة وهذه الريادة للمطربة صدّيقة الملاية تجابه بالاعجاب من قبل الجماهير بصورة عامة من ناحية، وبالتحفظ والحذر من قبل الوسط المقامي وبعض من الجمهور التقليدي الذي ناصرهم من ناحية اخرى..! ولما كان الأمر كذلك، فأن الواقع لابد أن يكون له مبررات وأسباب توحي بمصداقية هذه الحالة. فبالنسبة إلى جماهير الشعب بصورة عامة. الذين رأوا ان صدّيقة الملاية قد اقتربت في تعابيرها الغنائية من مغازلة مشاعرهم وهمومهم العاطفية رجالاً ونساءً..! ليس في مقاماتها فحسب، وأنما أغانيها أيضاً. لذلك فأنهم يعتبرونها فنانة شعبية ناجحة. أما بالنسبة إلى رأي الوسط المقامي وبعض ممن ناصرهم من الجمهور، الذين يتميزون بواقع غنائي تقليدي صارم ينبغي على الجميع الالتزام بشكله ومضمونه كمادة غناسيقية تراثية، وبعض من ناصرهم من الجمهور. فأنهم يرون ان صدّيقة الملاية رغم انها اقتربت من التعابير الانفعالية الرجالية في غنائها لبعض المقامات العراقية التي يتميز بها الغناء المقامي العراقي على مدى تاريخه. وهو امر مقبول بالنسبة لهم..! إلا أنهم يعتبرون مساهمتها بتحرير الاغنية التراثية مـن عفويتها وخروجها عـن الاصول الشكلية في غناء الاغنية(البسته) أمر غير مفضل بالنسبة لهم. خاصة انها انتجت اغانِ مقصودة كتبت ولحنت لها وغنتها بصوتها بعد المقامات العراقية التي ادتها. ياللغرابة..!! ان هذا التفسير إذا كان مناسباً لنا عموماً. فهذا يعني ان صدّيقة الملاية تكون إذن، قد ساهمت أيضاً في تنبيه الجماهير إلى أن الاغنية المؤلفة والملحنة من قبل شعراء وملحنين معلومين في المجتمع ثم غنتها بصوتها، سائرة في الاتساع بصورة ملحوظه. خاصة عندما غنت اغنيتها الشهيرة(الافندي).
ومهما كان هذا الواقع، ومع مايبدو عليه من تباعد، فأن صدّيقة الملاية مطربة لها قيمتها المشهودة في الساحة الغنائية. ولايمكن تجاهلها أو المرور بها مرور الكرام.
صديقي القارئ المُطلع، لو تفضلت وتتبعت فحوى تعابير هذه المطربة، لوضعت إصبعك على عوامل بيئية واجتماعية تتمازج في بودقة هذه المرأة. لتظهر لنا تعابير غريبة آنئذٍ..! غير أنها مقنعة، ترجونا أن نعطيها الفرصة. وأن نصبر من جانبنا حتى نستمع بتجرد. اما عن العوامل، فهي مجمل الأحداث الحالمة والأصوات التي سبقتها أو عاصرتها بكل ما تمتلك هذه الأصوات من هبة سماوية ملفتة للنظر أثرت بدرجة ما بمطربتنا موضوعة البحث. وإذا ما ذهبنا إلى العامل الثاني، وهو الأسى والحزن اللذان يفرضان نفسهما في التعبير الادائي. فأن الأحزان عموماً تنبثق من منافذ عدة لتؤثر في مكامن النفس البشرية. ومن أعماق الوجدان لتصطبغ بنبرة الصوت، بأنين موجع يهز الجوارح. أما العامل الثالث فأعني به القيود الاجتماعية الصارمة التي عاشتها المرأة. هذه القيود وكـأنها عبارة عن نفاذ الاوكسجين من وسط شاسع عن كائن محدد بذاته. ينظر إليه الجميع نظرة استصغار وأن لم يكن ازدراء مرفوض ككل شيء تقوم به..! وأن حاولت احداهن التعبير عن مواهبها وقٌبِلَ منها، فذاك يكون من المنطلق الغريزي ليس إلا..!
والى حلقة الجزء الثاني عن صديقة الملاية ان شاء الله.
هوامش
هامش1: العلاف، عبد الكريم، قيان بغداد، ط أولى، مط دار التضامن، بغداد، 1969، ص216.

صورة 1 / المطربة الشهيرة صديقة الملاية.

صورة 2 / مسرح وتياترو دو لا فيل، باريس 13 /1 /1997 حسين الاعظمي يؤدي وصلته الغنائية وبجانبه صديقه عازف آلة القانون العربية المستشرق الفرنسي جوليان فايس، وهو يرتدي الملابس الفولكلورية البغدادية.
