
كيف اخْتُلِقَت كلمة سومر غير الموجودة في اللغة السومرية؟
علاء اللامي
كاتب عراقي
لا توجد كلمة (سومر) باللغة "السومرية"، ولم يكن السومري يسمي نفسه سومريا بل "أسود الرأس"، ويسمي موطنه "أرض سيد القصب/ النبيل" وتلفظ (كي إن جير) فمن أين جاء اسم سومر ومشتقاته؟ سأحاول في هذه الوقفة تبسيط الموضوع فهو معقد وتخصصي ولأنني لست متخصصا في اللغتين السومرية والأكادية والآثار فقد وجدت من المفيد تبسيط الموضوع إلى أقصى درجة ممكنة بلغة الإعلامي المهتم بهذا التخصص مع الاستعانة بالموسوعات المفتوحة والذكاء الاصطناعي واستشارة بعض ذوي التخصص في بعض الأمور شديدة التخصصية.
توجد كلمة في اللغة "السومرية" تكتب بثلاثة رموز هي (كي –إن –جي) وتعني: أرض سيد القصب وحين يدمج معها صوت راء تكون (كي إن جير) فيتغير معناها إلى أرض السيد النبيل وتلفظ وتكتب هذه الرموز باللغة الأكدية (شومَرو) فاعتاد الناس على اعتبار هذا اللفظ هو اسم البلاد والشعب الذي عاش فيها؛ ومن هذا اللفظ جاؤوا بلفظة سومر والسومريين وبلاد سومر. لقد جاؤوا بها من لفظ رموز سومرية هي "كي إن جير" لتصبح بلفظهم وبلغتهم المقطعية "شومَرو" ثم لتتحول في لغتنا العربية واللغات الأخرى إلى "سومر"، فكيف تم ذلك علميا، وماذا في التفاصيل؟
مصادرة أولى: كرر باحثون كُثر أن كلمة "سومر" ومشتقاتها وردت حرفياً في عبارة تصف الملك سرجون الكدي بأنه "ملك سومر وأكد". وهذا الكلام ليس صحيحا البتة كما سنوضح خلال تفكيك كلمة سومر:
*العلامات المسمارية الثلاث المكونة لعبارة "لبلاد سومر" هي:
العلامة الأولى (Ki): تعني أرض، مكان، أو تربة.
العلامة الثانية (En): تعني سيد، نبيل، أو حاكم.
العلامة الثالثة (Gi) أو(Gir) تعني قصب، أو ترتبط بـ "القصب/ الأرض المنبتة" حسب السياق المعجمي.. وقد أُضيفَ صوت الراء بعد (جي) هنا لتكون (جير) التي تعني شيئاً أوسع وأشمل من القصب فتصبح تعني أرض السيد المتحضر/ النبيل.
بمعنى، إذا نُطقت الرموز الثلاثة بالسومرية (Ki-en-gi) من دون صوت الراء: فهي تعني حرفياً "أرض سيد القصب". وإذا نُطقت بالسومرية (Ki-en-gir) مع صوت الراء: تعني حرفياً "أرض السيد النبيل" (لأن علامة "جير" كاملة تعني نبيل).
فيصبح شكل العبارة المسماري المركب هكذا:
𒆠𒂗�� (ki-en-gi /Kengir/)
كنجي ومعناها "أرض سيد القصب/ كنجير ومعناها أرض السيد النبيل".
فهل يمكننا أن نعد عبارة "ملك سومر وأكد" صحيحة، أم أن تحريفاً قد وقع في الترجمة وحلت كلمة جديدة وغربية محل الكلمة ذات الرموز الثلاث "كي أن جير" وهي سومر العربية أو شومَرو الأكدية؟
الباحثون التقليديون يقولون كما تخبرنا الموسوعات المعلوماتية المتخصصة أنَّ الترجمة إلى سومر والسومرية صحيحة ومقاطعة تاريخياً، لكنها تعتمد على اللغة الأكدية وليس السومرية. ويوضحون ذلك بذكر الملاحظات الثلاث التالية:
* اللفظ الأكدي (Šumeru) شومرو
-السومريون كانوا يسمون أرضهم (كي إن جير) وتعني أرض سيد القصب 𒆠𒂗𒄀 (ki-en-gi /Kengir/).
-جيرانهم الأكديون كانوا يلفظون هذا الاسم بلغتهم الأكدية (شومَرو (Šumeru).
-عندما ترجم العلماء الأوروبيون نصوص اللغة "السومرية" المكتوبة بالخط المسماري في العصر الحديث، اعتمدوا اللفظ الأكدي "سومر" كاسم للمنطقة والشعب.
ومنه اشتقوا مشتقات أخرى منها اللقب الملكي الشهير وغير الدقيق "ملك أرض سومر وأكد"،
- يكتب هذا اللقب: (Šar Māt Šumeri u Akkadī) وتلفظ (شار مات شومري إي أكادي) وتترجم حرفيا "ملك أرض سومر وأكد" والسبب هو لفظ كل رمز في الكتابة المسمارية يختلف عدة مرات لعدة معانٍ.
هذا الكلام غير مقنع لتبرير تغيير اسم محدد هو "كي أن جير" الذي يعني "أرض سيد القصب" إلى اسم آخر لا يعنيه هو "سومر" من اللفظ الكدي "شومَري" والبناء على هذا الاسم لاختلاق هوية قومية أمر غير صحيح.
سأوضح رأيي بمثال: في اللغة العربية نترجم اسم بلاد أوستريا (Austria) إلى النمسا، فهل يحق لنا أن نفرض اسم النمسا بدلا من اسم اوستريا في لغة الجغرافيا والمعاجم الأجنبية المعاصرة ليكون اسمها الرسمي في جميع اللغات (النمسا)؟
*سؤال آخر يُطرح هنا هو لماذا لا نقول إن سكان المنطقة، وهم شعوب جنوب العراق القديم وقبائله في مرحلة تل العُبيد وما قبلها وصولا إلى عصر السلالات، أي من 6500 ق.م بمراحله الثلاث في بلاد ما بين النهرين (حسونة وسامراء وحلف)، وصولاً إلى قيام عصر السلالات المبكر في حدود 2900 ق.م، أطلقت على بلادها اسم "أرض سيد القصب"، أي الأهوار وهي مكتظة فعلا بالقصب إلى يومنا هذا. وكان ينبغي أن يؤتى بمقابل صوتي من اللغات الأخرى يناسب هذا المعنى بدلا من فرض لفظ أكدي مختلف تماما والبناء عليه لاختلاق شعب وأمة وبلد اسمه سومر. او في الأقل ترجمة معنى العبارة كماه هي بدلا من اعتماد ظاهرة أكسونيم (Exonym) التي تعني "الاسم الخارجي لمكان" لتبرير مصطلح تعارفي عَلَمي عام ((Convention.
اللافت أن الباحثين المعاصرين يتفقون على عدم جواز تداول الاسم الأجنبي البديل عند تفصيل المعنى اللغوي والاشتقاقي الأصلي. تماماً مثل مثال "النمسا" و"أوستريا" الذي ذكرته في ملاحظتي السابقة. ولكنهم يتكئون على ظاهرة إكسونيم لتبرير حالة اسم "سومر". إن هذا اللف والدوران لتبرير هذا الخرق العلمي ليس مقبولا كما أعتقد لأنه سيكون على حساب الحقيقة. ثم إنهم أنفسهم يقولون "عند تفصيل المعنى والاشتقاق ينتهي هنا دور الاسم الخارجي. إذا كنا نناقش المعنى الحرفي والبيئي للكلمة، فمن الخطأ الفادح تفكيك أحرف كلمة "سومر" الأكدية للبحث عن معناها".
ويضيفون "أما في السياق العام والتاريخي فيصح استخدام اسم "سومر" ولقب "ملك سومر وأكد" كـمصطلح تعارفي عام فالعلماء في القرن التاسع عشر عندما اكتشفوا هذه الحضارة، عرفوها أولاً من خلال النصوص الأكدية (الآشورية والبابلية) التي كانت تسمي المنطقة "شومرو"، فاستقر الاسم في الكتب العلمية". أعتقد أن هذه الفقرة تعني بكل وضوح هشاشة هذا الاسم "سومر" ومشتقاته واعترافا ضمنيا بتلفيقية الاسم. فماذا سيحدث إذا أضفنا إلى ما سبق التجاوزات غير النزيهة لمن لقبونه بأبي السومريات صموئيل نوح كريمر وسأذكرها في مناسبة أخرى قريباً.
هذه الفقرات جزء من دراسة قيد الكتابة وهي قد تصدم يقينيات البعض وتخيب أمل آخرين لأنهم سيعتقدون أنهم خسروا جزءا من تراث العراق القديم بالكشف عن حقيقة "السومريين" أو يراد لهم أن يخسروه فهذا وهم وكسل عقلي ضار. لأن التاريخ لا يبنى بالأوهام وتلفيقات الملفقين ومبالغات المبالغين بل هو يكتب وتعاد كتابته دائما في ضوء العلوم والحقائق الموَّثقة الجديدة المكتشفة. هذا هو الشكل الوحيد لمقاربة الحقيقة كفعل نامٍ مستمر لا يتكلس في رواية واحدة وهذه وجهة نظر معززة بأدلتها فمن كانت لديه وجهة نظر أخرى معززة بأدلة أخرى مختلفة أو مخالفة فليدلِ بها والحكم يكون للعقل وأدواته وليس للعاطفة والحنين والكسل الفكري وركوب بغلة العزة بالإثم!
