
شاب نموذج لتحمّل المسؤولية
صالح مهدي محمد
أدهشتني حكايته وأنا أستمع إلى سيرته، حتى تذكرت كيف كنا في مثل عمره؛ إذ دعتنا الظروف يومها إلى العمل مبكراً، فسبقنا حتى طلب أهلنا وتفكيرهم في تشغيلنا، فقد كانت ظروفنا القاسية تدفع الدماء في شراييننا لنكدح ونعرق. وحين أصبحنا قادرين على السعي، بدأنا نتحمل مسؤولياتنا قبل أن ندرك تماماً أبعادها.
حكاية هذا الشاب، الذي يرفل في عمر النشاط والأحلام، تختصر فلسفة إنسان لا يحب أن يمضي وقته بلا هدف. كان يرى أن متسع الوقت -وإن قلّ- جديرٌ بالاستثمار، فاختار العمل إلى جانب دراسته. لم يكن محتاجاً إلى المال فقط، بل أراد أيضاً أن يشعر بلذة ما يكسبه بجهده، وأن يشتري حاجاته من عرق جبينه ولو كانت بسيطة.
ومع ازدياد أعباء أسرته، لم يعد العمل خياراً ثانوياً بل ضرورة ملحة؛ فقد أراد أن يعين أهله، ويوفر لنفسه ما يساعده على إكمال دراسته، حتى لا تتحول الظروف المعيشية إلى سد يحول بينه وبين طموحه.
كان يرى زملاءه يعيشون واقعاً مختلفاً؛ يتلقون مصروفهم من آبائهم، ويعودون إلى بيوتهم منشرحي الصدر دون همّ. أما هو، فكان يعلم أن عليه تدبر أمره بنفسه. ومع ذلك، لم يسمح لهذا الفارق أن يعزله عن رفاقه؛ يعمل بجد، ثم يلتقيهم ليبادلهم الأحاديث والضحكات، وكأن ساعات التعب لم تنتقص من حيويته شيئاً.
احدهم يسأله باستغراب:
— لماذا تعمل وأنت ما زلت طالباً؟
فيبتسم ويجيب:
— حتى لا أغدو طالباً متفرغاً للبطالة!
ثم يضيف ضاحكاً:
— أنتم تقتلون الفراغ بمصروف آبائكم، وأنا أقتله بمصروفي.
لم يكن في كلامه حنقٌ على من يتلقى الدعم من والده؛ فهو يدرك أن الأب حين يعطي ابنه إنما يؤدي واجبه بحب ورعاية. لكنه أراد صياغة تجربته الخاصة؛ أن يستشعر قيمة الدينار حين يأتي بعد نصب، وأن يتعلم الحكمة في الإنفاق والاعتماد على الذات. لم يكن العمل بالنسبة إليه مجرد وسيلة لكسب العيش، بل كان مدرسة في الصبر والانضباط، وأدرك أن قيمة المرء لا تتحدد بما يأخذه من الآخرين، بل بما يقدمه بساعده.
والطريف أن بعض الذين كانوا يداعبونه بسبب عمله، صاروا مع نهاية الشهر يقصدونه ليدلهم على فرصة عمل!
فيضحك قائلاً:
— اصبروا قليلاً... عندما ينفد المصروف، ستصبحون زملاء حرفتي!
ثم يعود إلى عمله بهدوء، يواصل مسيرته بثبات.
كان شاباً عادياً، لكنه اختار الاستثنائية؛ لم ينتظر أن تمنحه الحياة الهبات على طبق من ذهب، ولم يتخذ من الظروف ذريعة للتشكي. جمع بين العلم والعمل، وبين مساندة أهله وبناء غده، وأدرك مبكراً أن المسؤولية نضجٌ يبدأ من الداخل لا برقم في بطاقة الهوية.
ولعل أبهى ما في قصته أنه لم يستجدِ عطفاً، ولم يسعَ ليعلو على غيره، لكن أراد أن يثبت لنفسه أنه قادر على حمل الجزء المترتب عليه من أعباء الحياة. وهكذا أصبح العمل لديه وسام فخر؛ درساً ساطعاً مفاده أن اليد التي تضيء شمعة في بيت أهلها وتبني مستقبلاً بجهدها، هي اليد التي تستحق كل إجلال واحترام.
