للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 63

د. مزاحم مبارك مال الله

 

فقلتُ:

"رفيق، أنا جئتُ للعمل في الحزب وللدراسة."

فقال مباشرة:

"العمل في الحزب يحتاج إلى تزكية!"

فقلتُ:

"رفيق، اسألوا كل الرفيقات والرفاق، أو ابعثوا استفساراً إلى الداخل."

فابتسم مجيباً:

"ألم تكن في الداخل؟ هل التقيتَ أحداً؟ الكل محتار بنفسه."

بدأ اليأس يدبّ في تفكيري، فتركته لأخلد إلى النوم الذي لم أذقه تلك الليلة ولا الليالي التي تلتها. وحينما أخذتُ موضعي في الفراش المخصص لي، سمعتُ الرفيق يتحدث باللغة الجيكية مع طرفٍ آخر، ويبدو أن موضوع الحديث بينهما يخصّني، فقد ورد اسمي أثناء الحوار.

غفوتُ بسبب إرهاق التفكير، وها هي ملامح الدوامة الجديدة التي سأمرّ بها تتضح. وقد صحوتُ على صوت طرق الرفيق عادل على الباب، ليقول:

"انهض، فالفطور جاهز، الساعة تشير إلى العاشرة."

فعلاً، نهضتُ وتناولنا الفطور معاً. ثم طلب مني أن أغيّر ملابسي، لأن هناك رفيقاً ينتظرني بسيارته عند الباب ليصحبني إلى مكانٍ آخر. فسألته:

"إلى أين، رفيق؟"

قال:

"الرفيق سيشرح لك."

ودّعته وشكرته على حسن ضيافته، مستصحباً معي حقيبة السامسونايت (وكان يُطلق عليها الحقيبة الدبلوماسية، فأغلب الذين يسافرون خارج العراق يمتلكون واحدة)، إضافةً إلى حقيبة سفر اعتيادية فيها ملابسي.

سلّمتُ وتعارفتُ مع الرفيق صاحب السيارة، وبكلمات مجاملة قال:

"ستسكن في شقة أحد الشباب الجيكيين، ونحن نعرفه، وهو خلوق جداً وطيب في الوقت نفسه، مقابل أجور شهرية زهيدة. أما مصاريف الطعام، فهذا أمرٌ خاص بينكما."

قلتُ:

"وكيف أتفاهم معه؟"

قال:

"هو يعرف قليلاً من الإنجليزية، ومع ذلك هذا رقم هاتفي، اتصل بي إذا احتجتَ شيئاً."

قلتُ:

"طيب رفيق، وإلى متى سأبقى عند هذا الشاب؟"

قال:

"والله لا أعرف، ليست لديّ أي معلومة... هم سيتصلون بك."

قلتُ:

"وكيف سيتصلون بي؟"

قال:

"هذا السكن معروف لدى رفاقنا، وسيتصلون بك في حال حصول أي شيء جديد."

شكرته، وأصبحت الصورة واضحة: أني من غير المرحب بهم بسبب التزكية، التي لا ذنب لي فيها، وإنما ذنب قيادات التنظيم في الداخل، إضافة إلى المسار المتعرج لوضعي؛ من جامعة الموصل إلى العسكرية، إلى ضرب الجبهة والحزب، ثم إلى الخارج...

وصلنا شقة ذلك الشاب، وبعد فترة عرفتُ أنه مثقف، وهو زميل ابن الرفيق عادل مصري في الشبيبة الشيوعية. كان مؤدباً وطيباً ومتعاوناً. أما الطعام ومصاريفه، فاتفقنا (بعد جهد) أن يكون لكلٍ منا ما يخصه.

قلتُ في الحلقات السابقة إني سريع التطبّع والتكيّف، وفعلاً بدأت أتكيّف مع الوضع الجديد. وكنتُ يومياً أنزل إلى الشوارع لأتعرف على المنطقة، وهي رائعة الجمال، وبدأت أتعلم بعض الكلمات الجيكية.

(يتبع)