للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 64

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

مضت الأيام، ولا تغيير في حياتي؛ مجرد تنقّل من سكن إلى آخر: من بغداد إلى بلغراد، ثم إلى براغ!

ألهذا تركتُ أهلك وناسك ووضعك يا مزاحم؟ يا لمهزلة القدر والزمن!

اتصلتُ بالرفيق الذي أوصلني إلى شقة ذلك الشاب وأعطاني رقمه، وطلبتُ لقاءه. وبالفعل جاء مساءً، ويبدو أنه أتى بعد انتهاء دوامه. تساءلتُ مع نفسي: ما هذا العدد الكبير من الرفاق المقيمين هنا؟ لقد رأيتُ أعداداً منهم في معرض التضامن الذي زرناه أنا وابن الرفيق عادل المصري. وربما في بلدان اشتراكية أخرى أضعافهم قد استوطنوا ولم يعودوا إلى الوطن!

هل يجرفنا تيار العاطفة، بينما الآخرون مستفيدون ومستقرون، وقد تأمّنت لهم حياة هانئة؟

التقيتُ به، وبادرته مباشرة:

• رفيق، أريد حلاً!

– فقال: كيف؟

• رفيق، أنا تركتُ العراق وأهلي، ولجأتُ إلى الحزب هنا، حال مئات أو أكثر ممن غادروا العراق...

– فقال، بصيغة المرتاح أمام شخص يحترق: رفيق، أنت تركتَ العراق بإرادتك، ولا توجد تزكية.

استفزّني كلامه، فارتفع صوتي:

• من أين آتي بالتزكية والكل اختفى؟ اعتبروني مواطناً يطرق أبواب الحزب!

– نعم، يمكن التعامل مع أي مواطن يطرق أبواب الحزب، ولكن ليس في هذه الظروف الاستثنائية. أنت تعرف أن الوضع الأمني خطير جداً...

• خطر ممن، رفيق؟ هل الخطر منّا نحن، رفاق الحزب؟

– لا، عفواً، لم أقصد ذلك، ولكن عدداً غير قليل من الشيوعيين "سقطوا" وتعاونوا مع الأجهزة الأمنية...

لم أشأ أن أجادله في كلمة "سقطوا"... فمن المسؤول عن سقوطهم؟ إن كانت هذه الكلمة تريح أصحاب المكاتب والصالونات...!

ارتفع صوتي مرة أخرى:

• وما علاقتي أنا بمن تعاونوا مع الأمن؟

– رفيق، أنا أنفّذ تعليمات الحزب. كل من يأتي من دون تزكية نتعامل معه بحذر. ثم أضاف: طيب، سأدلك على من يمكن أن يساعدك. اذهب إلى بناية مجلة (قضايا السلم والاشتراكية)، ستجد بعض رفاق قيادة الحزب، واطرح عليهم موضوعك.

• ومن سأجد هناك؟

– فقط قل إنك تريد رفيقاً عراقياً، وهم سيتصرفون.

• وكيف أقول لهم ذلك وأنا لا أعرف اللغة؟

– هناك في الاستعلامات من يتحدث الإنجليزية.

تلمّستُ من كلامه أنها حلول ترقيعية، وكأنه يريد التخلص من الموقف. ومع ذلك وافقتُ، على أمل أن أعاود الاتصال به مرة أخرى.

(يتبع)