للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1482)

التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 4

صدّيقة الملّاية المطربة الرائدة

(1900-1970)

 

من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.

***

 

    من المشاكل في بلدنا والوطن العربي أيضاً، التي يواجهها الباحثون والكتّاب والنقاد الموسيقيون عند الحديث أو الكتابة عن نتاجات فنانينا السابقين. مشكلة جمع الدلائل والمعلومات التي تخص كل فنان. إضافة إلى فقر المصادر الاخرى عن حياته ونشأته وكل ما يحويه الموضوع من إشارات تستحق الذكر. فكيف يتسنى للباحث أن يعرف أو أن يحصل على معلومات كافية عن الفنان..؟ وكيف يتأكد من صحة الادلة غير المكتشفة من قبله والتي قد تساعده في القاء الضوء على موضوع البحث..؟ ومن ثم تساعده على إعادة التقييم في بحثه..! إضافة إلى أن هناك تساؤلات اخرى تبقى بلا إجابة شافية. هكذا واقع معاناة الباحث. لا تواريخ، لا دلائل، لا معلومات كافية عن فنانينا السابقين. وبالتالي يخضع البحث في أكثر تفصيلاته إلى التحليل والتدقيق واستنتاج وتخمين وذكاء وفطنة الباحث بصورة عامة..!

    إذا أردنا أن نفكر بصورة تجريبية لأجل التأكد من صحة بعض المعلومات المتوفرة لدينا عن الفنان التي تستند اليها مناقشة الباحث وتدقيقه. عندها يجب أن يكون كل باحث متنبهاً إلى أبعاد هذه المعلومات من نواحي كثيرة. لأن أية تفصيلات يصل إليها الباحث قد تكون تفصيلات مهمة وفريدة في ذاتها. هذه هي الإمكانيات المتاحة التي يسير عليها الباحث ويضع تحليلاته المحدودة. كشأن دلائل معظم الفنانين الآخرين من السابقين أو المعاصرين لصدّيقة الملاية. ولذلك يستند هذا الكلام إلى التفسيرات المحددة لتلك الدلائل ضمن إطار الافتراضات المحدودة. وبالتالي فأن الموضوع ينتهي في معظم الأحيان، إلى كونه مرتبكاً أو بحاجة إلى مراجعة. لذلك فقد أربكت الكثير من الجهود البحثية عن فنانينا. ليس لكونها محدودةً أساساً فحسب، بل لعدم الوصول بها إلى حد القناعة التحليلية، وفشلت الكثير من هذه البحوث لهذه الاسباب.

    تبرز التعابير كأبرز مالدى الباحث الموسيقي ليتحدث عن أي فنان عندما يستسلم إلى فقر معلوماته الاخرى التي يحتاجها. كون أن هذه التعابير واضحة عبر النتاجات الادائية المتوفرة لدى الباحث. فهي شيء محسوس أكثر مما هي رمز تاريخي، أو معلومة نظرية عن الفنان قد تكون غير دقيقة. وهو الارجح في أغلب الاحيان. ففي كل أغنية أو مقام أدّتهما صدّيقة الملاية مثلاً، توجد تلميحات وأيماءات عن واقع الحياة التي عاشتها في حقبتها الزمنية، سواء في ادائها أو اللحن أو الكلمة المغناة..! وكذلك يوجد تأكيد على امكانيتها الفنية في الاداء والتعبير بصورة عامة وربما تفصيلية. ما إستقرأته مرة اخرى واستعطفته، حيث الهمها تعبيراً مزدوجاً وحباها بنوع ما من الخلود..! وبطبيعة الحال لا يسعنا الا ان نؤكد أن كل لحظة تمر من عمر الزمن هي مهمة جداً بذاتها. كذلك أن أي تاريخ مهما كانت درجة أصالته وأصالة مضمونه، يكون مختلفاً عن غيره من التواريخ من نواحي عديدة. وعليه فلغة التعبير التي جاءت بأداء صدّيقة الملاية لأغانيها ومقاماتها، تختلف بصورة واضحة وجلية عن تعبير أي مؤدِ أو مؤدية من المعاصرين لها من الناحية الفردية  رغم تشابه الجميع ضمن تعابير الحقبة الزمنية في خطها العام. فالذوق يختلف من شخص لآخر.

     ان الكتابة عن التاريخ الفني وابطاله الفنانين، أمر مثير ومريب في نفس الوقت..! لأننا بصدد اعادة ترتيب للمشاعر والعواطف الاساسية التي عاشت قبلنا، رغم أننا نستفيد منها كتجربة. مع الافتقار الى معلومات رصينة تفيد التحليل ولا تستبدله او تنهيه. فهي الدلائل المادية الغنية على ما نذهب اليه. لذا فعلاقة الباحث مع بحثه ان اختص باستقرار للمشاعر والعواطف ستكون اصعب من جهة وارقى من أي منحى. خاصة اذا مسّ الباحث بشفافية ورِقّة وحنان هذه السمات الانسانية الخلابة، على ان يكون الصدق والموضوعية والدقة رائدة فيها.  

    أن أغنية(الافندي صبري) لصدّيقة الملاية التي تعتبر أشهر أغانيها، بل وأجملها جميعاً، غنتها في العشرينات. وهي مثال جيد لجودة أساليبها الادائية وافكارها. ومن الطبيعي ان تكون هناك أغانِ اخرى قد تمر دون ان نلاحظ اهميتها، إلا إذا استمعنا اليها بصورة دقيقة، وكذلك إذا كنا على معرفة بكل أو معظم نتاجات صدّيقة الملاية. مثل المقامات العراقية التي ادتهاكمقام الحكيمي ومقام البهيرزاوي ومقام المحمودي أو الابوذيات أو الاغاني. حيث نرى ان كل هذه النتاجات تؤكد الناحية المعبرة عن الخصوصية العراقية والبغدادية. وتؤكد على نواحي من فيض العاطفة والشعور التي تعيدها الآن وكأنها موجودة بيننا بكامل تفصيلاتها. ومن ناحية اخرى فأن نتاجات صدّيقة الملاية، تؤكد كما ارى وقدر مااستطيع ان اعتمد عليه من معرفتي وقيمي الثقافية التي امتلكها بخصوص المستوى الادائي لهذه النتاجات والاسلوب الادائي وحبكته بصورة عامة. تؤكد على فرضيات محيطنا الذوقي والجمالي في تلك الحقبة أو التي بعدها. وبالتأكيد فأن الروح التعبيرية لدى صدّيقة الملاية عن عراقيتها وبغداديتها، هي ابرز مانلاحظه. وقد نندمج كثيرأ جداً اثناء سماعنا لنتاجات صدّيقة الملاية. لانها ماتزال تعبِّر عن همومنا العاطفية رغم قِدم هذه التسجيلات..!! وبالتالي فأننا نشعر بالامتنان من هذه النتاجات التي تثير احاسيسنا وعواطفنا ووعينا بحقبتنا ومحيطنا. فهي تؤدي إلى إثارة المتعة والرهبة والدهشة والحيرة والأمل دون ان تثير اليأس فينا..!

    أنه لشيء مستحيل ان نحلل نتاجات فنية غنائية وموسيقية ونتحدث عن جميع الاغاني والمقامات العراقية التي أدتها المرأة العراقية حتى اليوم في صفحات قليلة كصفحات هذا الكتاب. إذ يحتاج الأمر إلى كتابة مجلدات عديدة لنفي بغرض هذا التحليل. بل من المستحيل أيضاً. أن نحلل نتاجات واحدة منهن في بحث تكون فيه صدّيقة الملاية واحدة فقط من عيناته..!

    على كل حال، ان بعض مميزات الاداء المقامي العراقي المعاصر ذات مساس مباشر بالاداء المقامي العراقي مطلع القرن العشرين. باعتباره تراثاً وطنياً. فقد كانت صدّيقة الملاية قد صبّت جلّ اهتمامها في تلبية طموحاتها الفنية وتدعيم موقفها الشجاع. بما فيه من مصارحة اجتماعية عامة وكذلك معارضة فنية من قبل الوسط المقامي باعتبارها رائدة التجربة النسوية في الاداء المقامي العراقي خلال القرن العشرين. واستطاعت في النهاية من اختراق هذه الحواجز. حيث لم تكن تعنيها اشياء غير قناعاتها، واحجمت عن جميع المشكلات متحدية كل المحيط الاجتماعي والفني. فقد كان بمقدورها ان تؤثر في الاداء المقامي العراقي بصورة ملحوظة، وقد اثّرت..! وأن اداءها للمقامات العراقية في هذه الحقبة، يمكن ان يعتبر اسهاماً ممتازاً، وقد كان. لانها استطاعت أن تبين في أقل تقدير، قدر من الفن لاغنى عنه. فيه حركة جديدة نشطة من واقع رتيب إلى واقع جديد من النمو. فليس هناك بُعدٌ او فجوة في العلاقة مع موضوع الاداء المقامي العراقي التقليدي. فلا هي لجأت إلى استعارات لمجرد التجميل في الاداء المقامي، ولاهي حاولت ان تتغلغل في فكر وشعور الرجل لذات الفكرة..! وليس معنى هذا ان المطربة صدّيقة الملاية كانت تُبعد كل المحسنات عن اسلوبها الادائي عندما يكون نتاجها نفسه جميلاً. ولكن الموضوع هنا يستلزم اظهار قيمة الحدث وقيمة اختراق الحواجز ونجاح التحدي والامكانية الفنية العالية. ويكون هذا الحدث اكثر وضوحاً وفهماً عندما توضع أمامنا الدراسة التاريخية المريرة التي مرّ بها العراق خلال القرون السبعة المنصرمة(قرون الفترة المظلمة). ان أغنية الوطن، هي أغنية الارض، أغنية الرافدين، أغنية دجلة والفرات. انها تنبع من المرأة العراقية كما تنبع من الرجل سواء. من هذه الجذور الوطنية العظيمة، من دلالات كبيرة. أنها مثل شجرة معطاء تحيط بالمكان وتملئه خيراً وفيراً..!

 

والى حلقة جديدة عن مطربة اخرى ان شاء الله.

 

 

صورة واحدة / حسين الاعظمي يغني في مهرجان اصيلة الدولي في المملكة المغربية آب 1987 منشورة في مجلة التضامن(تصدر في لندن). عدد 233 في 26 /9 /1987.

 

 

صورة 2 / خبير المقام العراقي الاول في القرن العشرين الحاج هاشم الرجب يتوسط الصورة , عن يساره عائدة الخطيب , وعن يمينه عبد الرحمن خضر ويقف خلفه من اليمين , حمزة السعداوي , مع مجموعة من طلبة معهد الدراسات النغمية العراقي ويظهر المؤلف واقفا في اقصى اليسار ويظهر ايضا باسل كامل وفاضل خيوكة وميسان عارف ومحي ود. صباح عبد النور وجمال عزيز ومحمد عبد الجبار وهيثم شعوبي ومحمد زكي عام 1975.