
البطريرك الفخري والوسام الشكلي
د. رياض السندي
لم أشاء ان اكتب عن الوسام الذي قدمه البطريرك الكلداني المستقيل ساكو للسيد مسعود البارزاني والمسمى وسام البابا بيوس التاسع والصادر عن البابا ليو ١٤ بابا الفاتيكان، إلا ان توقيته وأسلوب تقديمه دفعاني لذلك. وقبل ان ادخل في موضوع الوسام المذكور، سأذكر حادثة صغيرة حدثت معي شخصيا لتوضح قيمة الأوسمة الشكلية التي يقدمها البابا للعالم اجمع.
في عام ١٩٧٩ كنت رئيسا لأخوية كنيسة العائلة المقدسة في البتاويين، وللتوضيح فأن الأخوية هو تجمع من الشباب داخل الكنيسة للحديث عن مواضيع دينية ومناقشتها والمشاركة بنشاطات اجتماعية مثل السفرات وغير ذلك. وكان المشرف على الأخوية هو الكاهن وقتها الأب يرسف شليطا المعروف بتقواه وورعه وإيمانه. وفي صيف ذلك العام تسنى للكاهن المذكور الذهاب إلى روما فزار الفاتيكان وجلب بعض التذكارات الدينية لتوزيعها على الشباب، ولكنه جلب لي هدية مميزة وهي وثيقة بتوقيع البابا باسمي، وقدمها لي باعتباري شخصا مميزا، ففرحت بها كثيرا وتصورت ان سمعتي وصلت إلى روما والى آذان بابا الفاتيكان. والى هنا والمسألة طبيعية ومرت بسلام لسنوات طويلة. وتركت الأخوية وخدمت الخدمة العسكرية وعدت إلى كليتي لإكمال الماجستير والدكتوراه، وتعينت في وزارة الخارجية عام ٢٠٠٧، وتم إيفادي إلى سويسرا لأربع سنوات للعمل في ممثلية العراق في جنيف، ويتسنى لي انذاك ان ازور إيطاليا وتحديدا روما والفاتيكان فيها، وكم كانت دهشتي كبيرة وصادمة عندما دخلت احد محلات بيع التذكارات القريبة من الفاتيكان وهي تبيع التماثيل والأناجيل والصلبان والمسابح (الورديات) وغيرها، ورايت مجموعة من الأوراق الملونة والجميلة والمزخرفة بنقوش وكتابات لاتينية وعليها تواقيع البابا نفسه، ولكن محل الاسم فارغ، وبأمكان اي شخص شرائها بسعر خمس يورو، ويكتب أي إسم يريد، وتهدي لأي شخص ليعلمها في بيته باعتبارها وثيقة من البابا تبارك هذا الشخص وتصفه بصفات إيمانية جيدة وتدعو الرب يسوع لحمايته هو وعائلته وهكذا. كل هذا والبابا حتى لا يعرف لمن تذهب هذه الوثيقة ولا حتى إسم حاملها، ويباع منها سنويا مئات الآلاف لكل العالم.
انذاك ادركت الخدعة الدينية-التجارية وضحت في قرارة نفس من الخداع الديني الذي استمر معي قرابة ثلاثون عاماً معتقدا ان البابا يعرفني شخصيا وارسل رسالة مباركة على الإيمان.
نعود إلى موضوع الوسام الذي قدمه البطريرك ساكو للسيد البارزاني، واتوقف عند عدة نقاط:
اولاً. ان ساكو لم يعد هو البطريرك بعد استقالته في شباط الماضي، وانتخاب بطريرك جديد للكنيسة الكلدانية.
ثانيا. ان ساكو لم يزر الفاتيكان طيلة هذا العام، ولم يلتقي ببابا الفاتيكان ليو ١٤، كما ان البابا المذكور لا يكن أي ود للبطريرك ساكو شخصيأ بدليل انه وافق على استقالته في اقل من ٢٤ ساعة. واذا كان الرسام من البابا حقاً، فلماذا لم تقدمه السفارة البابوية له شخصياً؟ واذا كان مرسلا للبطريرك الكلدانية، فالمفترض ان يقلده البطريرك الكلداني الجديد نونا الثالث للبارزاني. ولماذا لم يقدم البابا ليو هذا الوسام إلى مسعود البارزاني عن طريق ابن أخيه نيجيرفان الذي زار الفاتيكان قبل عدة اشهر؟
ثالثا. ان هذه الوثائق وان صحت فهي مجرد تذكار او استحسان له، دون التقليل من قيمته، وكان من الأفضل والأكثر وثوقاً ان يدعو مكتب بابا الفاتيكان السيد مسعود البارزاني إلى زيارة الفاتيكان ويقلده الوسام شخصيا تكريما لجهوده في حماية الأقليات ومنها الأقلية المسيحية في كردستان العراق، كما حدث مع ابن أخ السيد مسعود وهو رئيس اقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني الذي التقى البابا في زيارة رسمية للفاتيكان بتاريخ ٢٠٢٦/٥/١٨. وحتى لو كان الرسام قد منح بناء على طلب سابق للبطريرك ساكو ايام توليه المنصب والمعروف بتقربه إلى القادة السياسيين سواء العراقيين والأجانب وحتى الإيرانيين، فإنه اليوم خارج المنصب وكان من الأصول ان يترك الأمر للبطريرك الجديد، او ان يقله بأسمه، وهذا ما لم يحدث.
رابعا. يبدو ان تقليد الوسام بالشكل الصحيح لا يدركه لا البطريرك ولا مرافقيه ولا حتى الجانب الكردي. ولهذا فقد ألبس للسيد البارزاني بطريقة مشوهة، والصحيح ان وشاح الوسام يلبس بطريقة تتقاطع مع الجسم، وتكون نهاية الوشاح على الخصر الأيسر من الجسم تحت الذراع الأيسر تماما، وليس تطويق الجسم بحلقة دائرية تشوه الوسام وتقيد المتشح بالوشاح. ويمكن لأي شخص ان يبحث عن صور تقليد صدام حسين لبعض القادة العسكريين بوسام الرافدين ليرى ان الوشاح يوضع على الكتف الأيمن ويكون بشكل منحرف وينتهي عند الخصر الأيسر تحت الذراع الأيسر.
خامسا. ان ساكو يحلو له ان يشيع بأنه البطريرك (الفخري)، وهذا غير منطقي، لأن البطريرك منصب وليس شهادة، فهناك دكتوراه (فخرية)، ولكن لا يوجد رئيس وزراء فخري. ان هذه التصرفات تذكرنا بالشرطي الذي يحال على التقاعد، والعبرة معروفة لدى العراقيين.
سادساً. لم نجد خبر منح البابا ليو ١٤ لهذا الرسام للبارزاني على موقع الفاتيكان الرسمي، وباللغتين الإنكليزية والعربية. (https://www.vatican.va/content/vatican/en.html)، وموقع (https://www.vaticannews.va/ar.html). وهذا أمر مستغرب.
سابعاً. هل سأل البطريرك ساكو باعتباره يمثّل المؤمنين لا القادة السياسيين (المفروض)، السيد بارزاني عن الادعاءات والخلافات بين مسيحيي كردستان واكراد كردستان في عينكاوا وقرى اخرى حول انتزاع أراضيهم منهم، وكيفية معالجة ذلك تعزيزا لهذا الوسام في حماية الأقلية المسيحية في كردستان العراق؟ بالتأكيد لا، والتبريرات كثيرة.
ويحق هنا لكل عراقي ان يتساءل إذا كان هذا هو حال كنيسة صغيرة في العراق، فلا غرو ان نرى تمسك السياسيين بمناصبهم وعدم التخلي عنها مهما جوبهوا من انتقادات، وان نتفهم ما يردده نوري المالكي أساس الخراب في العراق بعد ٢٠٠٣ بقوله: بعد ما ننطيها.
د. رياض السندي
٢٠٢٦/٨/٢٣
