
مقالب صغيرة
صالح مهدي محمد
لم يتجاوز الرابعة بعد، ولكن منذ أن أكمل عامه الأول بدأ ينجذب إلى الجوال؛ يحاول احتراف التصفح من خلال ما يشاهده، يقلد الأشياء ويحاول أن يجعل لها صدى خارج الشاشة، كمن يبحث عن شغفه حتى وجد ضالته في "المقالب". هناك، في ذلك العالم المضيء، اكتشف أن الضحك لا يحتاج سبباً… يكفي أن يكون على حساب شخص آخر. لا يفضّل أحداً من العائلة على الآخر، ولكن المقالب الأقوى تكون دائماً من نصيبي؛ لأكون أنا بالذات من يفقد أعصابه ويرعد صارخاً!
أكثر ما يدهش في تجاربه أنه لا يكتفي بالمشاهدة، بل ينتقل مباشرة إلى التطبيق العملي، وكأنه تلقى دورة مكثفة في "فن المفاجأة". يدخل في حالة تركيز عميق: يراقب، يخطط، ثم ينفذ دون أدنى رحمة.
أذكر أنني دخلت الصالة يوماً دون أن أعلم أنه يترقبني، وما إن وطأت قدمي المكان حتى انطلقت صرخة من جانبي، واقتحم المشهد من خلف الباب كأنه يعلن عن نهاية العالم! التفتُّ، فوجدته واقفاً يبتسم ابتسامة المنتصر في معركة غير متكافئة. لم يكن خائفاً ولا متردداً، بل كان ينتظر تقييمي للأداء، كأنني لجنة تحكيم في برنامج مواهب.
وفي الطريق وأنا أصطحبه معي، تبدأ فصول أخرى من المغامرة. أمسك بيده وأحاول أن أبدو كعمّ مسؤول، فأقول له بنبرة تجمع بين الحنان والقلق:
«امشِ بجانبي، لا تسرع، وانتبه فبعض السيارات تسير مسرعة.»
يهز رأسه موافقاً بتلك الثقة التي لا يملكها إلا من يخطط للهروب. نمشي خطوتين، ثلاثاً، ثم فجأة… يختفي! لا يركض فقط، بل كأنه يتبخر. ألتفت، فأراه يسبقني بخطوات، يلتفت إليّ ويضحك كأن الشارع ساحة عرض، وأنا الجمهور الوحيد الذي لا يملك تذكرة خروج. أسرع خلفه وقلبي يركض قبلي، أحاول الإمساك به قبل أن تسبقه مركبة أو دراجة يقودها أحدهم بسرعة أقرب إلى الجنون. أمسكه أخيراً، فينظر إليّ باستغراب بريء كأنه يقول: «لماذا كل هذا القلق؟ نحن نلعب فقط!»
ومن مقالبه أيضاً أنه اكتشف زرّ إطفاء الأنوار؛ ليس من باب توفير الطاقة، بل من باب "المزحة". يدخل الغرفة فيطفئ الضوء فجأة، ثم يختبئ في زاوية ينتظر اللحظة المناسبة ليقول: «بوو!»، مع أن "بوو" هذه تخرج أحياناً بصوت متأخر بعد أن أكون قد اكتشفت مكانه، فيعيدها مرة أخرى حرصاً على جودة الأداء!
أما الجوال، فقد صار مسرحه المفضل. يأتي إليّ مسرعاً:
«عمو، شوف هذا!»
أقترب ظاناً أنني سأشاهد قطة لطيفة أو أنشودة أطفال، فإذا بشخص في الفيديو يصرخ فجأة. أرتد إلى الخلف، فيضحك هو ويعيد المقطع مرة أخرى؛ ليس لأنني لم أشاهد جيداً، بل لأنه يريد إعادة التجربة كاملة، كأن الضحكة الأولى مجرد بروفة!
وفي يوم آخر، قرر أن يطور أسلوبه؛ جاءني بكوب ماء وابتسامة بريئة جداً… بريئة لدرجة تدعو للشك! أخذت الكوب وشربت، فصفق بفرح:
«نجحت!»
لم أفهم ما الذي نجح بالضبط، لكنني شعرت على ما أظن وحسب تصوره أنني شاركت في تجربة علمية دون أن أعرف مدخلاتها ولا نتائجها!
الغريب في الأمر أن كل هذه المقالب لا تحمل أي نية سيئة؛ هي مجرد طاقة صغيرة تبحث عن مخرج، وعالم واسع يراه كمساحة للعب، ونحن في عينيه كائنات سهلة الخداع.
ومع كل هذا، لا أستطيع أن أغضب طويلاً؛ لأن ضحكته التي تأتي بعد كل مقلب قادرة على إقناعك بأن الحياة تحتاج أحياناً إلى صرخة مفاجئة، أو هروب صغير في الشارع، أو كوب ماء يحمل لغزاً.
ربما هو لا يعرف معنى "المقالب" كما نفهمها نحن، لكنه يعرف شيئاً أهم: أن الضحك حتى لو كان على حساب عمٍّ رؤوف يبقى طريقة فعالة لجعل الحياة ابتسامة… ولو لدقائق.
