للذهاب الى صفحة الكاتبة   

لا تقولي ابدا إنك خائفة... لكن احذري من وطن يهزم الحلم

نوال عايد الفاعوري

 

ثمة حكايات نقرأها ثم نمضي

وحكايات أخرى لا تتركنا نمضي كما كنا تبقى عالقة في مكان ما داخلنا

وتعود كلما رأينا شابا يحمل حقيبته ويرحل

أو أما تودع ابنها عند باب المطار

أو قاربا صغيرا يبتلع البحر ركابه

حكايات لا تنتهي عند موت أصحابها

لأنها تترك خلفها سؤالا أكبر من الموت نفسه

سؤالا موجعا في وجه العالم: ماذا لو كان الوطن أقل قسوة؟

وماذا لو وجد الحلم طريقا آخر غير البحر؟

حكايات تجبرك بعد أن تنتهي من قراءتها أن تصمت قليلا وأن تسأل: كيف يمكن لإنسان أن يهرب من وطنه إلى البحر وهو يعرف أن البحر قد يكون قبره؟

قصة سامية يوسف عمر واحدة من تلك الحكايات

عداءة صومالية شابة خرجت من بلد أنهكته الحرب والفقر والإرهاب ولم يكن لها من سلاح سوى قدميها

وحلم صغير .. أن تركض

فتاة لم تكن تريد أكثر من أن تركض

وأن تحمل اسم بلادها إلى مضمار أولمبي وأن تقول للعالم إن للصومال رغم الحرب والفقر والإرهاب وجها آخر غير الموت

لم تكن تريد أن تصبح بطلة خارقة

ولم تكن تطلب من العالم شيئا كثيرا

كانت تريد فقط فرصة لأن تفعل ما تحبه

لكن حتى هذا الحلم البسيط كان في وطنها أشبه بالمستحيل

حين كانت الحرب الأهلية والإرهاب يلتهمان مقديشو كانت سامية تركض متخفية في الليل

وفي واحدة من أكثر لحظات قصتها قسوة سألت والدها إن كان يخاف الحرب

فقال لها:"لا تقولي أبدا إنك خائفة يا صغيرتي سامية وإلا فإن ما تخافينه سيكبر حتى يهزمك"

كبرت سامية وكبرت معها تلك الجملة

وحين وصلت إلى أولمبياد بكين عام 2008 لم تكن تركض وحدها

كان خلفها وطن كامل مثقل بالحرب

وأم آمنت بها

وطفولة لم تكن تشبه طفولات الأطفال الآخرين

وفتاة صغيرة قررت أن تواجه كل ذلك بالجري

 

في أولمبياد بكين عام 2008 وصلت سامية إلى المضمار

لم تكن تملك ما يملكه الآخرون من تدريب وإمكانات وظروف آمنة لكنها امتلكت شيئا آخر: إصرارا غريبا على أن تكون هناك

ركضت في سباق 200 متر بكل ما لديها

ولم تفز

لكنها في الحقيقة لم تكن بحاجة إلى الفوز كي تنتصر

كان يكفي أنها وصلت

يكفي أنها وقفت هناك في أكبر محفل رياضي في العالم

بوجه فتاة صومالية جاءت من مكان لم يكن يسمح لأحلام كثيرة بأن تولد فضلا عن أن تصل إلى الأولمبياد

نظر العالم إليها بإعجاب

وكانت سامية تنظر إلى لندن

كانت تريد أن تعود إلى أولمبياد 2012 وكانت تحلم هذه المرة بميدالية

لكنها عادت إلى الصومال فعاد الخوف معها ولم تجد الطريق ممهدا نحو حلمها

واجهت تهديدات القتل ودمر الملعب الذي كانت تتدرب فيه واضطرت إلى أن تواصل الركض سرا وفي الليل كما لو أن حلمها جريمة يجب أن تخفيها

حتى الركض الذي يفترض أن يكون فعلا بسيطا أصبح في حياتها مغامرة قد تكلفها حياتها

ثم جاء اليوم الذي أدركت فيه أن عليها أن ترحل

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر وجعا

سارت آلاف الكيلومترات حتى وصلت إلى ليبيا

وهناك ذاقت السجن والإهانة والخوف واضطرت عائلتها إلى دفع المال لتحريرها ثم عملت في ظروف قاسية وكل ذلك من أجل الوصول إلى قارب يأخذها إلى الضفة الأخرى من المتوسط

وكل ما كانت تريده هو أن تحصل على فرصة للعبور

كانت تعرف أن القارب خطر

كانت تعرف أن البحر لا يرحم

ومع ذلك صعدت

لأن الإنسان حين تضيق به الحياة قد يصبح مستعدا للمخاطرة بحياته نفسها من أجل فرصة صغيرة للبدء من جديد

لكن البحر كان له رأي آخر

سامية لم تصل

غرقت وابتلعها المتوسط

وهنا تصبح القصة أكبر من مجرد قصة عداءة غرقت في رحلة هجرة

لم يهزمها الخوف... هزمها وطنها

وهذه ربما أكثر جملة وجعا في الحكاية كلها

لأن الإنسان يستطيع أن يتقبل أن يهزمه عدو

أو أن تخذله الحياة 

لكنه لا يتوقع أن يكون الوطن هو الذي يدفعه إلى الرحيل ثم يجعله يغامر بحياته في البحر كي يبحث عن حياة أخرى

عندما كتب الكاتب والصحفي الإيطالي جوزبه كاتوتسيلا قصة سامية في رواية نالت شهرة واسعة اختار لها عنوانا مستوحى من كلمات والدها:"لا تقولي إنك خائفة"

ووضع على الغلاف فراشة

ولم يكن اختيار الفراشة اعتباطيا

كان موجعا بقدر القصة نفسها

فالفراشة كائن هش رقيق قصير العمر لا تملك قوة كبيرة لكنها تطير

وهكذا كانت سامية

كانت تعرف أن العالم من حولها أقوى منها لكنها أصرت على أن تطير بطريقتها

لم تكن أقوى من الحرب ولا من الفقر ولا من الإرهاب ولا من البحر

لكنها حاولت أن تطير فوق كل ذلك

وفي الرواية لم يسمح كاتوتسيلا للحلم أن يموت

منح سامية نهاية أخرى

جعلها تصل إلى أولمبياد لندن وتفوز بالميدالية الذهبية

ربما لم يستطع الكاتب أن يكتب النهاية الحقيقية

ربما كانت قسوة الحقيقة أكبر من أن يحتملها الأدب

وربما لم يستطع أن يضع نهاية حقيقية لقصة فتاة كان كل ذنبها أنها أرادت أن تعيش حلمها

لذلك أنقذها في الرواية

لكن الحياة لم تنقذها

في الحياة سامية الحقيقية لم تصل إلى لندن

لم تقف على منصة التتويج

لم تحمل الذهب

لم تعد إلى بلدها وهي ترفع ميدالية حول عنقها

بقيت هناك...

في المتوسط وبقيت ميداليتها التي لم تصل إليها مجرد حلم.

أحيانا أفكر أن مأساة سامية ليست في أنها ماتت في البحر فقط

المأساة أنها لم تكن تريد البحر أصلا

كانت تريد مضمارا

كانت تريد أن تركض

أنا أراها قصة حلم صغير لم يجد من يحميه

وقصة وطن لم يعرف أن أبناءه حين يغادرون لا يأخذون معهم أجسادهم فقط

يأخذون معهم أحلامهم وطاقاتهم وأعمارهم وكل الأشياء التي كان يمكن أن تجعل هذا الوطن أفضل

وهنا لا أستطيع أن أتجاوز الجزء الأكثر مرارة في القصة

ذلك الهامش الذي لا يخص سامية وحدها

بل أجيال كاملة ظلت تركض في أوطانها طويلا

ركضت خلف العمل وخلف الفرصة وخلف حياة تحفظ للإنسان كرامته وخلف وعد بأن الغد يمكن أن يكون أفضل

ومن أجل تعليم جيد ومن أجل أن تشعر أن لها مكانا في وطنها

ركضت وانتظرت وصدقت الوعود ثم اكتشفت أن المسافة بين الوعد والحقيقة أطول من كل المسافات التي قطعتها

ركضت وصدقت

ثم تعبت

وحين يتعب الإنسان من انتظار وطنه يبدأ بالنظر إلى الخارج

لذلك جمع كثيرون أحلامهم في حقيبة ظهر صغيرة وركبوا قوارب متهالكه يعرفون

 أنها قد لا تصل

وهكذا تحولت حقيبة الظهر الصغيرة إلى وطن مؤقت وتحول القارب إلى باب رغم أن الجميع يعرف أن خلف هذا الباب بحرا قد لا يرحم

لا أعتقد أن الذين يركبون قوارب الموت يحبون الموت

على العكس

هم في الغالب يحبون الحياة أكثر مما نتخيل

لكنهم يصلون إلى مرحلة يشعرون فيها أن فرصتهم الوحيدة في الحياة موجودة في مكان آخر

لم يكونوا يعشقون البحر

ولم يكونوا يكرهون أوطانهم بالضرورة

لكنهم في لحظة ما شعروا أن الموت في البحر قد يكون أقل قسوة من موت الحلم في الداخل

وهذه هي المأساة الحقيقية

أن يصبح البحر بكل ما يحمله من موت خيارا يمكن التفكير فيه

ماذا حدث لنا حتى أصبح الرحيل حلما؟

ماذا حدث للوطن حتى صار أبناؤه يخافون أن يضيع مستقبلهم فيه أكثر مما يخافون أن يغرقوا في البحر؟

 ذروة التراجيديا أن يصبح البحر بكل ما فيه من موت أكثر رحمة من الوطن

فبعض الناس لا يغادرون أوطانهم لأنهم لا يحبونها بل لأنهم أحبوا أحلامهم أكثر من قدرتهم على احتمال قتلها

ولعل أكثر ما يؤلم في حكاية سامية أن والدها قال لها يوما:

"لا تقولي إنك خائفة"

فلم تهزمها مخاوفها

ركضت رغمها

لكنها في النهاية وجدت نفسها أمام شيء أكبر من الخوف

وجدت وطنا لم يستطع أن يحمي فتاة كانت كل جريمتها أنها أرادت أن تركض

وفي الرواية وصلت سامية إلى الذهب

أما في الحقيقة فقد وصلت إلى قاع البحر

وبين الرواية والحقيقة بقيت فراشة صغيرة على غلاف كتاب تحلق فوق الحكايه  تحاول أن تقنعنا بأن الأحلام خلقت لتطير لا لتغرق

لكنها غرقت

وغرق معها سؤال لا يزال مفتوحا:

ماذا يفعل الوطن حين تصبح أحلام أبنائه أكبر من قدرته على احتضانهم؟

وماذا يفعل الأبناء حين يصبح الوطن الذي ولدوا فيه هو المكان الوحيد الذي لا يستطيعون فيه أن يحلموا؟

ربما يركضون

ثم يركضون أكثر

ثم حين يتعبون من الركض يحملون أحلامهم في حقيبة صغيرة...

ويرحلون

ويبقى الوطن واقفا في مكانه يتساءل بعد فوات الأوان:

لماذا غادروا؟

غرقت

وبقي سؤالها معنا:

كم حلما يجب أن يغرق في المتوسط حتى نفهم أن الذين يرحلون لا يهربون دائما من أوطانهم... بل يهربون أحيانا من وطن لم يعد يعرف كيف يحتفظ بهم؟

وربما لهذا كانت جملة والدها أقسى من أن تكون مجرد عنوان لرواية:

"لا تقولي إنك خائفة"

لم تكن سامية خائفة

كانت تحاول فقط أن تعيش

وهذا في بعض الأوطان قد يكون أصعب الأحلام.

 

ما ابشع الاوطان عندما تهزمك وتغدر باحلامك..

 

نوال عايد الفاعوري