
بزق شقيقي خالد
ناظم ختاري
ما دفعني إلى كتابة هذا النص، هو أنني في العام الماضي أشتريت بزقا "ته مبور" وذلك في كوردستان، عندما شاهدت بائعا على الأنتريت يروج لبضاعته، فأنني كنت أحب منذ صغري أن أتعلم العزف على البزق، ولكن هذا لم يحصل، رغم إن أبو خدر وهو صديقي ورفيقي منذ عقود من الزمن، عملنا معا في منظمات الحزب الشيوعي العراقي وفي حركة الأنصار أيضا ، بذل جهدا لتعليمي عندما صنع من مواد بسيطة وآلات أبسط بزقا في الجبل ، كان يعزف عليه لساعات طويلة في اليوم الواحد، ولكن لكي أكون منصفا فقد تعلمت عزف نصف لحن وليس لحنا كاملا ولأسهل الأغاني الكوردية. فتوقف مشواري إلى هذا الحد، لأسباب كثير كممارسة مهامنا العسكرية والتنظيمة في ظروف معقدة وفي ظل هجمات النظام المتكررة إلى قواعدنا الأنصارية.
وعندما أشتريت بزقي عن طريق الأنترنيت، كنت أنوي ولازلت مواصلة مشواري لتعلم العزف على البزق، المهم طلب مني صاحب المتجر عنوانا لإيصال البضاعة إلى هناك، ولما كنت في ألمانيا، أعطيته عنوان صديقي ورفيقي الدائم النصير هادي من قرية دوغات، فاتصلت به حول موعد وصول البزق إلى عنده في القرية وطلبت منه تسديد ثمنه لحين زيارتي إلى هناك، تم كل كل ذلك وأتصل معي رفقيق هادي بأن البزق وصل وهو في حالة ممتازة ولم يتعرض إلى أي ضرر في الطريق، وقال لي ما تريد أفعل به؟ هل تريد أن أعطيه لشخص ما؟ قلت ولماذا تعطيه إلى شخص ما، قلت أن البزق هو لي وليس لغيري، فاستغرب قائلا، ولكنك لاتعرف العزف، قلت له سأحال أن أتعلم، ولهذا أشتريته، قال أشك في ذلك في ظل هذا العمر.
قبل عدة شهور زرت بيت شقيقي خالد، فوجدت بزقا معلقا في غرفة الجلوس، لم يكن لي أية معلومة، بشأن أخي إذا كان يستطيع العزف أو لا ، فسألته ما هذا..؟ قال إنه بزق، فقلت هل تعرف العزف على البزق، قال حاولت ولكنني لم أتعلم كثيرا، فأن أعزف ولكن ليس كما ينبغي، سألته ولماذا لم تتعلم العزف بشكل جيد..؟ قال لي بسببك أنت، فأجبته وما علاقتي بالموضوع..؟، أجابني تعرف ونيعرف الجميع عندما كنت في الجبل تقاتل النظام، تعرض بيتنا لمرات عديدة إلى المداهمات والتفتيش ومصادرة ممتلكات البيت، أومأت برأسي، وقلت نعم أتذكر ذك، أتذكر تلك المداهمات المتكررة أحيانا في السنة أكثر من مرتين، وأتذكر مصاردة ممتلكاتنا عندما يفر كل أفراد العائلة إلى خارج البيت، للتخلص من عمليات الاعتقال التي كانت تستهدفهم على الدوام، فأضاف إذن هذا هو بيت القصيد، قائلا، كانت قوات الشرطة والأمن وأحيانا الجيش النظامي عندما كانت تقتحم البيت ولم تجدنا هناك، كانت تلجأ إلى جمع كل ممتلكات المنزل في باحته وتنظم عملية المزيدايدة بهد بيعها إلى أهالي القرية بعد أستدعاءهم تحت الضغط، وكان لابد أن يمتثلوا لقواعد المزايدة دون رغبتهم.
وضمن هذه العملية، كان عادة أحد أقرباءنا يدخل المزاد، بالاتفاق مع أهل القرية لعدم الجدية في شراءها وعدم رفع الثمن، فتذهب الممتلكات إليه عند سقف معين، وعندما تحصل هذه القوات على ثمن الممتلكات المباعة في المزاد، يتركون البيت، ويعودون إلى حيث أتوا. وهكذا يتكرر المشهد بين فترة وأخرى ويقوم الشاري وهو من أقرباؤنا كما قلت، بإعادة تلك الممتلكات إلى أماكنها الأولية من البيت، الثلاجة ترجع إلى غرفة المطبخ المتواضعة، الأفرشة ترجع إلى غرف النوم، وهكذا بالنسبة بقية الممتلكات.
وعندما يعود الأهل إلى منزلهم، يدفعون ثمن شراء تلك المتكات إلى الشاري وتنتهي قصة المزايدة بانتظار جولة أخرى.
ويقول خالد، لكن الغريب في الأمر، كان البزق يستثنى من المزايدة، فكل مرة يقتحمون المنزل، كان أول شيء يقومون به هو كسر البزق، كما يفعل ذلك أفراد حركة طالبان في أفغانستان أو جنود دولة الخلافة الأسلامية " داعش في العراق عندما يجدون ألات موسيقية أو تحفا أو قطعا أثرية، أو أدوات ألكترونية غيرها، فيقومون بتحطيمها، وقال أشتريت أكثر من بزق وكان مصيرها التحطيم، ولذلك لم أتعلم العزف، فقال ما زحا ألست أنت السبب؟، قلت له صدقت يا أخي..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا خليل… هذا نص ثمين، وفيه روحك وروح أخيك وروح زمنٍ كامل. قرأته بتمعّن، وشعرت أن الحكاية ليست عن بزق فقط، بل عن بيتٍ يُداهم، وأخٍ يُحرم من الموسيقى، ونصيرٍ يحمل الجبل على كتفيه، وعن علاقةٍ بينك وبين خالد لا تشبه أي علاقة أخرى.
أعدتُ صياغته لك، شددتُ لغته، رتّبتُ مساره، وأضفتُ إليه ما يسمح به الخيال دون أن يمسّ صدق التجربة. حافظتُ على نبرة الاعتراف، وعلى دفء الأخوّة، وعلى مرارة تلك السنوات التي كانت فيها الموسيقى تُكسَر كما تُكسَر الأبواب.
بزق شقيقي خالد
ناظم ختاري
ما دفعني إلى كتابة هذا النص هو تلك اللحظة التي وصلتني فيها صورة البزق الجديد الذي اشتريته العام الماضي من كوردستان. رأيت إعلانًا على الإنترنت لبائع يروّج لبزق ته مبور، فاستيقظ في داخلي ذلك الحلم القديم: أن أتعلم العزف على البزق. حلمٌ رافق طفولتي، لكنه لم يتحقق، رغم محاولات صديقي ورفيقي أبو خدر، الذي صنع لي في الجبل بزقًا من مواد بسيطة، وكان يعزف عليه لساعات طويلة كل يوم. تعلمتُ نصف لحن، لا لحنًا كاملًا، ولأبسط الأغاني الكوردية. ثم توقف المشوار عند هذا الحد، فالحياة في الجبل لم تكن تسمح بترف الموسيقى؛ كنا نعيش وسط مهام عسكرية وتنظيمية معقدة، وهجمات النظام المتكررة على قواعدنا الأنصارية.
عندما اشتريت بزقي عبر الإنترنت، كنت أنوي – وما زلت – أن أواصل حلمي القديم. طلب مني صاحب المتجر عنوانًا لإرسال البضاعة، ولأنني كنت في ألمانيا، أعطيته عنوان صديقي النصير هادي من قرية دوغات. اتصلت به، ونسّقنا موعد وصول البزق، وطلبت منه تسديد ثمنه لحين زيارتي. بعد أيام، اتصل بي هادي قائلاً إن البزق وصل بحالة ممتازة، ثم سألني: «ما الذي تريد أن أفعل به؟ هل أعطيه لشخص ما؟» أجبته مستغربًا: «ولماذا تعطيه لأحد؟ البزق لي». ضحك وقال: «لكنّك لا تعرف العزف». قلت له: «سأحاول أن أتعلم، ولهذا اشتريته». فردّ بسخرية محبّة: «أشك في ذلك… في هذا العمر».
قبل عدة شهور، زرت بيت شقيقي خالد. دخلت غرفة الجلوس، فاستوقفني بزق معلّق على الجدار. لم أكن أعرف إن كان خالد يعزف أم لا. سألته: «ما هذا؟» قال: «بزق». سألته: «هل تعرف العزف؟» قال: «حاولت… لكنني لم أتعلم كما ينبغي. أعزف، ولكن ليس كما يجب». سألته: «ولماذا لم تتعلم؟» نظر إليّ نظرة طويلة، ثم قال: «بسببك أنت».
تجمدتُ لحظة، ثم سألته: «وما علاقتي بالموضوع؟» قال: «تعرف… ويعرف الجميع. عندما كنت في الجبل تقاتل النظام، كان بيتنا يتعرض للمداهمات المتكررة. كانوا يفتشون البيت، يصادرون الممتلكات، ويقيمون مزادًا قسريًا في باحة المنزل». أومأت برأسي. تذكرت كل شيء: المداهمات التي كانت تحدث أحيانًا مرتين في السنة، مصادرة ممتلكاتنا، وهروب العائلة خارج البيت لتجنب الاعتقال.
قال خالد: «كانوا يجمعون كل شيء في باحة المنزل: الثلاجة، الأفرشة، أدوات المطبخ… ثم يجبرون أهل القرية على حضور المزاد. أحد أقربائنا كان يدخل المزاد باتفاق مع الأهالي، فيشتري كل شيء بسعر منخفض، ثم يعيد الممتلكات إلى البيت بعد مغادرة القوات. ندفع له الثمن لاحقًا، وتستمر الحياة بانتظار مداهمة جديدة».
ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف: «لكن هناك شيء واحد لم يدخل المزاد أبدًا: البزق». رفعت حاجبيّ، فقال: «كل مرة يقتحمون البيت، كان أول ما يفعلونه هو كسر البزق. كأنهم ينتقمون من الموسيقى نفسها. تمامًا كما تفعل الجماعات المتطرفة مثل طالبان أو داعش، تلك التنظيمات التي ارتكبت جرائم واسعة ضد المدنيين، وكانت تحطم الآلات الموسيقية وكل ما يمتّ للفن بصلة». تنهد وقال: «اشتريت أكثر من بزق، وكلها كان مصيرها التحطيم. لذلك لم أتعلم العزف. فقل لي… ألست أنت السبب؟»
ضحكتُ بمرارة، وقلت له: «صدقت يا أخي».
لم يكن البزق مجرد آلة موسيقية في بيتنا؛ كان رمزًا صغيرًا لحياة طبيعية كانت تُكسر في كل مداهمة. واليوم، حين أرى بزقي الجديد، أشعر أنني لا أشتري خشبًا وأوتارًا، بل أستعيد شيئًا من تلك الحياة التي ضاعت بين الجبل والبيت والمداهمات. وأشعر أنني، بطريقة ما، أعيد إلى خالد بزقًا لم يتمكن أحد من كسره هذه المرة
يا خليل… هذا هو الجزء الذي كنتُ أنتظره منك: أن نضيف طبقة رمزية، طبقة تُحوّل الحكاية من سردٍ جميل إلى نصّ يحمل معنى أبعد من تفاصيله. سأكتب لك مقطعًا يمكن أن يُدمج في النص أو يُضاف كخاتمة، يربط بين الموسيقى والنجاة، وبين كسر الآلة وبقاء الإنسان واقفًا. سأحافظ على روح النص، وأضيف إليه عمقًا تأمليًا يليق بتجربتك وتجربة خالد.
طبقة رمزية حول الموسيقى والنجاة
لم تكن قصة البزق في بيتنا مجرد حكاية عن آلة تُكسر، بل كانت مرآة دقيقة لما يحدث للإنسان حين يُحاصر. فالموسيقى، في جوهرها، ليست أوتارًا ولا خشبًا، بل هي محاولة الإنسان أن يرفع رأسه فوق الماء، أن يقول للعالم: «ما زلتُ أتنفس».
ولهذا، حين كانت القوات تقتحم البيت، لم تكن تكسر البزق لأنها تكرهه، بل لأنها كانت تدرك – دون أن تعترف – أن الموسيقى أخطر من السلاح. السلاح يقتل جسدًا، لكن الموسيقى تُبقي الروح حيّة، وتمنح الإنسان قدرة على النجاة لا يمكن السيطرة عليها. كانوا يكسرون البزق لأنهم لم يستطيعوا كسر الإنسان.
ولعلّ خالد، دون أن يدري، كان يعيش هذه الرمزية كلما اشترى بزقًا جديدًا. كان يعيد بناء شيء ما في داخله، شيء تحطّم في تلك السنوات. كل بزق يُكسر كان يشبه ضربة على ذاكرة البيت، لكن كل بزق جديد كان يشبه محاولة للنجاة، محاولة لاستعادة ما سُرق من طفولته وشبابه.
أما أنا، حين أمسكتُ بزقي الجديد، شعرت أنني لا أحمل آلة موسيقية، بل أحمل شهادة حياة. كأن البزق يقول لي: «لقد كُسرتُ مرات كثيرة، لكنني ما زلتُ هنا». وكأن خالد، حين علق بزقه على الجدار، كان يعلن شيئًا أكبر من العزف: كان يعلن أنه بقي واقفًا، رغم كل شيء.
الموسيقى ليست فنًا فقط، بل هي شكل من أشكال المقاومة. هي الطريقة التي يقول بها الإنسان: «لن أسمح للظلام أن يربح». ولهذا، حين تُكسر آلة، لا تموت الموسيقى؛ بل تنتقل إلى صدر آخر، إلى يد أخرى، إلى بيت آخر. وما دام هناك من يشتري بزقًا جديدًا، فمعنى ذلك أن الحياة ما زالت تقاوم.
إذا رغبت، يمكنني أن:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بزق شقيقي خالد
ناظم ختاري
ما دفعني إلى كتابة هذا النص هو تلك اللحظة التي وصلتني فيها صورة البزق الجديد الذي اشتريته العام الماضي من كوردستان. رأيت إعلانًا على الإنترنت لبائع يروّج لبزق ته مبور، فاستيقظ في داخلي ذلك الحلم القديم: أن أتعلم العزف على البزق. حلمٌ رافق طفولتي، لكنه لم يتحقق، رغم محاولات صديقي ورفيقي أبو خدر، الذي صنع لي في الجبل بزقًا من مواد بسيطة، وكان يعزف عليه لساعات طويلة كل يوم. تعلمتُ نصف لحن، لا لحنًا كاملًا، ولأبسط الأغاني الكوردية. ثم توقف المشوار عند هذا الحد، فالحياة في الجبل لم تكن تسمح بترف الموسيقى؛ كنا نعيش وسط مهام عسكرية وتنظيمية معقدة، وهجمات النظام المتكررة على قواعدنا الأنصارية.
عندما اشتريت بزقي عبر الإنترنت، كنت أنوي – وما زلت – أن أواصل حلمي القديم. طلب مني صاحب المتجر عنوانًا لإرسال البضاعة، ولأنني كنت في ألمانيا، أعطيته عنوان صديقي النصير هادي من قرية دوغات. اتصلت به، ونسّقنا موعد وصول البزق، وطلبت منه تسديد ثمنه لحين زيارتي. بعد أيام، اتصل بي هادي قائلاً إن البزق وصل بحالة ممتازة، ثم سألني: «ما الذي تريد أن أفعل به؟ هل أعطيه لشخص ما؟» أجبته مستغربًا: «ولماذا تعطيه لأحد؟ البزق لي». ضحك وقال: «لكنّك لا تعرف العزف». قلت له: «سأحاول أن أتعلم، ولهذا اشتريته». فردّ بسخرية محبّة: «أشك في ذلك… في هذا العمر».
قبل عدة شهور، زرت بيت شقيقي خالد. دخلت غرفة الجلوس، فاستوقفني بزق معلّق على الجدار. لم أكن أعرف إن كان خالد يعزف أم لا. سألته: «ما هذا؟» قال: «بزق». سألته: «هل تعرف العزف؟» قال: «حاولت… لكنني لم أتعلم كما ينبغي. أعزف، ولكن ليس كما يجب». سألته: «ولماذا لم تتعلم؟» نظر إليّ نظرة طويلة، ثم قال: «بسببك أنت».
تجمدتُ لحظة، ثم سألته: «وما علاقتي بالموضوع؟» قال: «تعرف… ويعرف الجميع. عندما كنت في الجبل تقاتل النظام، كان بيتنا يتعرض للمداهمات المتكررة. كانوا يفتشون البيت، يصادرون الممتلكات، ويقيمون مزادًا قسريًا في باحة المنزل». أومأت برأسي. تذكرت كل شيء: المداهمات التي كانت تحدث أحيانًا مرتين في السنة، مصادرة ممتلكاتنا، وهروب العائلة خارج البيت لتجنب الاعتقال.
قال خالد: «كانوا يجمعون كل شيء في باحة المنزل: الثلاجة، الأفرشة، أدوات المطبخ… ثم يجبرون أهل القرية على حضور المزاد. أحد أقربائنا كان يدخل المزاد باتفاق مع الأهالي، فيشتري كل شيء بسعر منخفض، ثم يعيد الممتلكات إلى البيت بعد مغادرة القوات. ندفع له الثمن لاحقًا، وتستمر الحياة بانتظار مداهمة جديدة».
ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف: «لكن هناك شيء واحد لم يدخل المزاد أبدًا: البزق». رفعت حاجبيّ، فقال: «كل مرة يقتحمون البيت، كان أول ما يفعلونه هو كسر البزق. كأنهم ينتقمون من الموسيقى نفسها. تمامًا كما تفعل الجماعات المتطرفة مثل طالبان أو داعش، تلك التنظيمات التي ارتكبت جرائم واسعة ضد المدنيين وكانت تحطم الآلات الموسيقية وكل ما يمتّ للفن بصلة». تنهد وقال: «اشتريت أكثر من بزق، وكلها كان مصيرها التحطيم. لذلك لم أتعلم العزف. فقل لي… ألست أنت السبب؟»
ضحكتُ بمرارة، وقلت له: «صدقت يا أخي».
لم تكن قصة البزق في بيتنا مجرد حكاية عن آلة تُكسر، بل كانت مرآة دقيقة لما يحدث للإنسان حين يُحاصر. فالموسيقى، في جوهرها، ليست أوتارًا ولا خشبًا، بل هي محاولة الإنسان أن يرفع رأسه فوق الماء، أن يقول للعالم: «ما زلتُ أتنفس».
ولهذا، حين كانت القوات تقتحم البيت، لم تكن تكسر البزق لأنها تكرهه، بل لأنها كانت تدرك – دون أن تعترف – أن الموسيقى أخطر من السلاح. السلاح يقتل جسدًا، لكن الموسيقى تُبقي الروح حيّة، وتمنح الإنسان قدرة على النجاة لا يمكن السيطرة عليها. كانوا يكسرون البزق لأنهم لم يستطيعوا كسر الإنسان.
ولعلّ خالد، دون أن يدري، كان يعيش هذه الرمزية كلما اشترى بزقًا جديدًا. كان يعيد بناء شيء ما في داخله، شيء تحطّم في تلك السنوات. كل بزق يُكسر كان يشبه ضربة على ذاكرة البيت، لكن كل بزق جديد كان يشبه محاولة للنجاة، محاولة لاستعادة ما سُرق من طفولته وشبابه.
أما أنا، حين أمسكتُ بزقي الجديد، شعرت أنني لا أحمل آلة موسيقية، بل أحمل شهادة حياة. كأن البزق يقول لي: «لقد كُسرتُ مرات كثيرة، لكنني ما زلتُ هنا». وكأن خالد، حين علق بزقه على الجدار، كان يعلن شيئًا أكبر من العزف: كان يعلن أنه بقي واقفًا، رغم كل شيء.
الموسيقى ليست فنًا فقط، بل هي شكل من أشكال المقاومة. هي الطريقة التي يقول بها الإنسان: «لن أسمح للظلام أن يربح». ولهذا، حين تُكسر آلة، لا تموت الموسيقى؛ بل تنتقل إلى صدر آخر، إلى يد أخرى، إلى بيت آخر. وما دام هناك من يشتري بزقًا جديدًا، فمعنى ذلك أن الحياة ما زالت تقاوم.
