
يوميات حسين الاعظمي (1484)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 6
سـلطـانه يوســف المطربة الشهيرة
(1910-1995)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
***
انهمكت سلطانة يوسف فيما بعد بإعداد أبوذيات وعتابات ومقامات عراقية أخرى قامت بغنائها. فكانت المفاجئة في أدائها لـ(مقام البهيرزاوي) العراقي ضمن حفلة مسجلة اواسط الخمسينيات في محافظة الموصل فيما يُعتقد. شاركت فيها ايضاً المطربة سليمه مراد. أما مقام البهيرزاوي هذا فهو شيء آخر لم نعهده من قبل من أي مغنية مقامية سواء في اسلوب التعبير المقامي او قوة صوت سلطانة يوسف الذي يثير الدهشة في هذه الحفلة..! وقد تحمّل صوتها ابعاد المساحة الصوتية التي يمتاز بها هذا المقام. والتي تصل إلى اوكتاف ونصف الاوكتاف تقريباً. وإذا عرّجنا إلى الانفعالات التعبيرية، فقد امتاز ذكاؤها بتوتر انفعالي سلس لايشعرك بالتصنع الممجوج من الانفعالات الرجالية التعبيرية عند البعض، بل هي جاهدت في التقرب، غير أن ذكاءها تُرجم في سرعة بديهية عندما احتفظت بمشاعرها الانثوية الرقيقة كأمرأة..! كما أنها اقتربت من شبه الكمال في غنائها للمقامات العراقية من الناحية الاصولية التقليدية، وعليه فأن تداخل هذه الميِّزات في غناء سلطانة يوسف لهذا المقام، هو الذي اعطى للغناء ابعاده الفنية الناجحة والجميلة.
سلطانة يوسف بغنائها لمقام البهيرزاوي، تكون قد عبَّرت عن انفعال جديد وعن شجن جديد لسابق غنائها للمقامات العراقية او في مقام الحكيمي مثلاً. المؤدى في حقبة التحول. وغنائها لمقام (البهيرزاوي) المؤدى في حقبة التجربة. هذا الانفعال الذي يشعرنا بزيادة الحركة في ديناميكية الحياة التي عاشها المجتمع العراقي منتصف القرن العشرين. وكأنها استوعبت اجواء احداث المجتمع، فعزمت متقصدة ان تعبِّر عن ديناميكية متحركة متفاعلة لصراع لم ينته. فهو يبقي الأمل قائماً في حياة جديدة علّها تريح الانسان. خاصة وان العالم قد انتهى من حرب كونية ثانية اثقلت كاهل الانسان وانهكته. وهكذا نرى ان انتصاف القرن العشرين، افرز نشوء تعابير جديدة واساليب ادائية جديدة لتعاصر هذه الحقبة في غناء المقام العراقي والموسيقى والغناء العراقي على وجه العموم. اساليب ادائية امتازت بالمرونة. ذات قدرة على التعبير في خيالات وتأملات متنوعة. وطبيعي ان هذه الاساليب وهذه التعابير مستمدة من مصادر عديدة، غير ان هذه المصادر جميعها اصيلة تقريباً، ولهذا فأن الاساليب التي تكوّنت في مجموعها كانت اساليب اصيلة حقاً.
كان هناك أمام المغنين المقاميين في حقبة التجربة، المثال الحي لمواهب نشيطة افضل من مواهبهم وارفع مستوىً. فقد كان الملهم الكبير محمد القبانجي ذا أثر كبير حتى بعد أن تجاوز السبعين عاماً من عمره، وهو المطرب المخضرم الذي عاش حقبتي التحول والتجربة ممارساً للغناء والفن وشاهداً على حقبة النضوج(هامش1). وقد بقيت نتاجاته الصوتية في غنائه للمقامات العراقية حتى اليوم، مصدر من نوع خاص من الاصالة التعبيرية في الغناء المقامي العراقي. وعليه اصبحت النتاجات المقامية العراقية التي سجلت عند انتصاف القرن العشرين بأصوات كل معاصري الحقبة موضعاً للمنافسة. واصبحت التعابير الرومانسية التأملية والخيالية والفنية في الغناء المقامي العراقي التي قادها بكل عنفوان المطرب الكبير ناظم الغزالي، هي السمة البارزة في فن غناء المقام العراقي في هذه الحقبة.
أما سلطانة يوسف، فقد دلها تحسُّسِها إلى نبوغ هذا المجدد الكبير محمد القبانجي فأصغت إليه متأملة في محرابه البديع ولسان حالها يقول (أنه ليس كغيره)..! فأدت سلطانة بعض الابوذيات والعتابات وشكل المصلاوية في خضم حقبة التجربة. ولكن بأسلوب حقبة التحول. أدت هذه الالوان اداءً شجيـاً حزينـاً وهي تدور وتعبـِّر عن مشكلات الحياة في تلك الحقبة، دون ان تفقد شيئاً من بريق طريقتها الادائية البهيجة المستقاة من طرق اداء المرحلة. وخاصة الطريقة القبانجية التي قادت هذه الطرق في اتجاهاتها حتى وحّدتْها. وهكذا نرى هذه التعابير تتجسد في غناء شكل المصلاوية وكذلك في شكل الابوذية.
ان الأغاني الخالدة التي غنتها سلطانة يوسف من سُلّم مقام البيات أغنية (وين المروة) وأغنية (لاالله يرضى بهاي) وأغنية (وعلى الدرب يهواي) ومن سُلّم مقام الحجاز أغنية (شعملت انا وياك). ومن مقام الحجاز كار هذه أغنية (ياطيور الروض غني) ومن مقام الحجاز أغنية (آه الدهر). ومن مقام البيات حسيني، الدشت واللامي هذه الاغنية (وعلى الدرب).
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: حقبة النضوج- هي الحقبة الثالثة والاخيرة من حقب القرن العشرين التي عملتُ على تقسيم القرن الى ثلاثة حقب زمنية في كل كتاباتي المنشورة والكتب الصادرة. الاولى حقبة التحول التي تم تحديدها تقريبا في العقود الاولى من القرن. وحقبة التجربة التي تم تحديدها في العقود الاربعة وسط القرن. اما حقبة النضوج فقد حددتُها للعقود الثلاثة الاخيرة من القرن.
صورة 1/ حسين الاعظمي يوقع كتابه (حكايات ذاكرة صورية) في قاعة مجلس رجال الاعمال بعمّان مساء 4 حزيران 2016.
صورة 2 / المطربة الكبيرة سلطانة يوسف

صورة 3 / سلطانة يوسف بعد اعتزالها الغناء وتفرغها للعبادة.
