للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 69

د. مزاحم مبارك مال الله

 

أجبته:

"قبل أن أهمس بأذنك، رتّبوا أمور التنظيم، فهناك شخص تطلقون عليه (رفيق) في يهلافا، اسمه (ك)، قد منحتموه الثقة ومقعداً دراسياً، وهو يروّج للمنشق (دوبتشك) ويجمع حوله مجموعة من الشباب الشيوعيين العراقيين الذين لا يمتلكون الصفاء الفكري...!"

تفاجأ قائلاً:

"شلون؟ وكيف؟ ولازم نحقق بالموضوع."

فقلت:

"على أية حال، رفيق، إذا تأتي معي فسأذهب إلى كردستان."

تفاجأ من كلامي ولم يكن يتوقعه ، وأجاب :

-   وهل تتوقع رفيق ان الحزب يفرّق بين الرفاق ؟

   انا لم أقول ذلك ولكنكم تتصرفون بالتوجيهات حسب مقتضيات مصالحكم

-   عموما رفيق مزاحم هذا كلام غير مقبول ولكن انا اقدّر وضعك النفسي ..

افترقنا على أمل أن نحسم الأمر غداً.

جاءني ليلاً، وكان بصحبته رفيق شاب طويل، ضعيف البنية، يحمل حقيبة جلدية على كتفه، قائلاً:

"رفيق، إذا ترغب بالمغادرة إلى كردستان فالأوضاع ملائمة لذلك، وإذا لا ترغب، فهذا الرفيق (مشيراً إلى الشاب الطويل) سيأتيك صباح الغد ليأخذك إلى المكان الذي تطلبه..."

فقلت:

"سأغادر إلى سوريا كي أكون قريباً من أهلي، ليأتي أيٌّ منهم ويعطيني المال للعودة إلى يوغسلافيا لأجل الدراسة."

فقال: "والله فكرة ممتازة."

كانت الرسالة واضحة، مضمونها:

(اللي علينا سويناه، وبعد ما نكدر نسوي أكثر... الله وياك).

وقبل أن يتركني، وأنا تتلاطم بي أمواج الغربة والاغتراب والمستقبل المظلم، بادرني قائلاً:

"إذا عندك فلوس جيكية، أبدلها لك بالدولار الأمريكي."

حينها تعمّقت لدي فكرة المنتفعين من الحزب؛ فها هم يتاجرون بالعملة، ويساهمون مع أعداء النظام الاشتراكي الجيكي في تدمير اقتصاده.

أعطيته ما أملك، ولا أعرف كم كانت تساوي بالدولار الأمريكي. المهم، وعلى الفور، سلّمني بضع دولارات، ولا أعلم إن كانت مجزية أم لا.

ثم اتفقت مع الرفيق الشاب أن يأتيني صباحاً ليصحبني إلى محطة القطار المتجه إلى إسطنبول، ومن هناك أستقل الحافلات إلى دمشق.

حقيقة الأمر، لم أكن وحدي في هذا الموج العالي من الضياع. ففي سفرتنا من يهلافا إلى براغ، التقيت بعض زملاء اتحاد الطلبة السابقين حينما كنا في بغداد، ومنهم صديقي وقريبي (ر/ المقيم حالياً في الدنمارك). هو الآخر وصل إلى براغ ولا يملك التزكية، ولا أعرف ظروفه، فبقي في حيرة من أمره: ماذا يفعل؟

جاء رفيقنا الشاب، الذي أجهل اسمه، صباحاً، واصطحبني إلى محطة القطار.

دفعت أجور الحجز، حيث قام الرفيق بذلك كوني لا أعرف اللغة، وزوّدني بعنوان الفندق الذي سأنزل فيه بدمشق، واسمه (فندق القدس العربي)، وأردف:

"صاحب الفندق هو من جماعتنا السوريين."

وقال:

"حينما تصل إسطنبول، هناك فنادق قريبة جداً من محطة القطار، وقربها الكراج الذي تتجمع فيه الحافلات المتجهة إلى دمشق."

ودّعني بحرارة، وقال بلهجته العربية المكسّرة، فهو كردي:

"رفيق، يعزّ عليّ أن تغادر وأنت مكسور الخاطر..."

(يتبع)