
يوميات حسين الاعظمي (1485)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 7
زهـور حسـين المطربة الشعبية
(1924-1964م)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
***
تعتبر الأغاني والمقامات العراقيةالتي أدتها المطربة الكبيرة زهور حسين(هامش1)، أحسن ما يمثل الغناء الذي يمتاز بأسلوب وتعابير شعبية الطابع..!الحاصل من تجارب حياة الشعب العراقي خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومع أن زهور حسين كانت عفوية وتلقائية في تعابيرها، وهو ما يؤكد صدقها في الغناء..! إلا ان نتاجاتها بصورة عامة كانت رصينة. بحيث امتزج عقلها مع قلبها لتعبر ببساطة غاية في السهولة عن هموم ومشاكل المجتمع العراقي في حقبة انتصاف القرن العشرين وما يحيطها من عقود زمنية (حقبة التجربة)، فسرعان ما ثبّتت زهور حسين نفسها في ذهن ومشاعر معظم فئات المجتمع العراقي الاجتماعية والذوقية. ولم تكن الظروف المعاشة نفسها، الشيء الوحيد الذي عبّرت عنه واظهرته زهور حسين. وإنما تعدّتها إلى التفاؤل بحياة المستقبل بعد مرور هذه الحقبة التي عاشتها. فان اغانيها ومقاماتها العراقية بالرغم من قلّتها. ما أكثر ما نستمع اليها حتى اليوم ونحن تجاوزنا القرن العشرين، بل نوشك على تجاوز الربع الاول من القرن الحادي والعشرين..! صور متأملة ترسّخت كلها في ذهن ومشاعر الشعب العراقي. لقد كان هناك مطربون اخرون ممن ارشفوا ووثقوا بتعابيرهم الفنية في الغناء، ظروف الحقبة التي اتسمت بظروف التجربة. ولو تطلعنا الى الساحة الغنائية فيها لوجدنا فنانين كبار يشار لهم بالبنان امثال حسن خيوكة وسليمة مراد ويوسف عمر وناظم الغزالي وعبد الرحمن العزاوي ومائدة نزهت وعفيفة اسكندر وغيرهم. لقد ظلت ظروف التجربة هي المنبع الاساسي في اغاني ومقامات الفنانين..! فقد كان الجمهور منذ أن وجد صورة ناطقة تعبِّر عن كوامنهِ وهمومه من خلال استماعه إلى غناء حقبته الزمنية. من فنانين استطاعوا أن يصلوا إلى اعماق عواطف الفرد العراقي. بنتاجات تضمّنت عرضاً متسلسلاً موحداً لما جاء متفرقاً في أساليب اعداد كثيرة من الفنانين. وقد كان لزهور حسين سابقة في هذا الخضم من التعابير الفنية المختلفة. وذلك في تصوير اقرب وأوقع أثرا لمشاعر المرأة العراقية. وأن ماأكسب زهور حسين اهمية، هي أنها أوجدت من هذه التعابير حضوراً دقيقاً حيّاً للأغنية الاقليمية لفن الغناء في العراق.ومعنى هذا انها لم تكتف باستغلال الفائدة التي حصلت عليها من معاصريها الفنانين فقط، أو تنمية النواحي الجمالية الحسنة في الذوق الذي اكتسبه الجمهور. وانما عملت بصدق يتسم بالبراءة في عكس ظروف هذه الحقبة التي عاشها العراقيون عند انتصاف القرن العشرين. ضمن تجاربها الخاصة ومن ثم نمّت إمكانياتها. فمادتها كانت خبرتها وخزينها. وما كان عليها إلا أن تقاوم ظروفها، وبالفعل فان المقاومة والتصميم اصبحا اسلوبا وسلوكا ومنهاجا..! وتكلل هذا النضال بنجاح هائل، حتى جعلت من فنها الغنائي شيئاً خاصاً يعكس هويتها وأسلوبها الخاص المميز لتكسب النجاح والاستقرار الفني. لقد كانت فنانة مقتدرة في فنها متواضعة في طرحها متبسطة فيه. كل همها ان تحكي هموم الناس للناس فتحاورهم وتناجيهم بالغناء دون انفعال او تصنع.
إن من حسنات زهور حسين اهتمامها وحبها لفن الغناء الذي تولعت فيه بمحيط امكانياتها الجيدة الواضحة في تسجيلاتها الصوتية. فهي لم تكن تمتاز بأنها صاحبة أفكار موسيقية. وسوء حظها كان في ان بعض ما أنتجته من تسجيلات غنائية لم تكن جيدة. حيث لم تكن على استعداد للغناء عند التسجيل في الأستوديو. وكان صوتها مبحوحاً ومتعباً، أو على الأقل لا يفترض ان تسجِّل في الأستوديو وصوتها على هذه الحال، ولا يفترض ان تتعبه من كثرة السهر الذي يؤثر سلباً على الحنجرة الذهبية. ونحن نعلم ان للانسان طاقة محدودة يتوجب عليه بعد عمل ما أن يخلد إلى الراحة. ان خير ما يمكن التوصل اليه كدليل على مدى ماقدمتـه زهور حسين للأغنية البغدادية والعراقية الحديثة الملحنة والمؤلفة. هو ماعملته في سبيل توطيد اسلوب البساطة والسهولة في التعبير..! شأنها في ذلك شأن المطرب الكبير يوسف عمر. ان البساطة والسهولة والتمسك بالحقيقة التعبيرية الوطنية الواضحة والاجتهاد الواعي من اجل الدقة المطلقة، هو الذي يجعل عنصر الجمال في جعل كلمات الأغنية ولحنها وغنائها مساوياً للتجربة الخاصة ومعبرا عن حقبة التجربة برمتها..! فقضية البناء الادائي والاسلوب اصبحت وثيقة الصلة بحقيقة مميزة لا تقبل النقاش. حيث تنتظم في اطارات مفعمة بالمعنى من داخلها وهي الحقيقة المميزة لرسالة الموسيقى ةالغناء للجماهير.
ان الكثير من النتاجات الغناسيقية في حقبة التجربة، مدينة لجوانب كثيرة من المعرفة والعلم اللذيْن يستحقان تنويهاً خاصاً كجزء مهم من تاريخ الغناء العراقي الحديث في القرن العشرين. فأن فناني هذه الحقبة هم ثمرة الجهود الفنية والعلمية لحقبة التحول التي سبقتها. إذا شئنا قدراً اكبر من التحديد، فأننا نستطيع القول أن التطور الفني والاكاديمي لفنون الموسيقى أو الفنون عامة في حقبة التجربة ذو أثر بيّن في نظرة الفنانين إلى فنهم.
ان الأغاني والمقامات العراقية التي سجّلتها زهور حسين بصوتها، المميزة بسهولة اسلوبها المعبِّر التي تنبىء بادىء ذي بدء بصورة متلائمة ومنسجمة عن سهولة في شكلها ومضمونها بدون أي تعقيد. الامر الذي توفر للمتلقي راحة ومتعة ووقتاً للاستيعاب العاطفي دون جهد يذكر. ويذكرنا ذلك في مقام الدشت المغنى من قبل زهور بقصيدة الاحوص ابن جعفر بهذا المطلع.
(إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى/فعش حجرا من يابس الصخر جلمدا)
ولها مقام دشت اخر تقول فيه:
(لقد سار الحبيب فـلســـت ادري / الى أيــــن المسير يا نور عيني)
والى الجزء الثاني من حلقة زهور حسين ان شاء الله.
هوامش
هامش1: يقـول المؤرخ الشاعر عبد الكريم العلّاف فـي كتابه (قيان بغداد) ص214. ان اصل هذه المطربة فارسي واسمها زهرة وتحول إلى زهور كأسم فني.
صورة 1 / المطربة زهور حسين في ابهى صورها.
صورة 2 / في مطار عالية الدولي بعمّان تشرين اول 2022. حسين الاعظمي جالسا ويقفان خلفه الفنانين الكبيرين د.محمد كمر وسعيد البغدادي.

صورة 3 / اقدم صورة للمطربة زهور حسين.
