
يوميات حسين الاعظمي (1486)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 8
زهـور حسـين المطربة الشعبية
(1924-1964م)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
اعزائي القراء الكرام. في الحلقة السابقة عن المطربة زهور حسين، وفي مكان التعليقات علق الاستاذ الفاضل عقيل عطرة عن الموضوع بمعلومات جيدة عن حياة زهور حسين لم اكن على علم بها ولم توضع مثل هذه المعلومات في كتابي(المقام العراقي باصوات النساء) ولاهمية تعقيب الاستاذ عقيل، اضعه امامكم عسى ان تزيدوا من معلومات اخرى واليكم نص تعقيب الاستاذ عقيل عطرة.
(((أحسنت النشراحسنت النشر دكتور زهور حسين من مواليد مدينة كربلاء ومن التبعية الايرانية كانت طفلة تشتغل مع والدتها في جني التمر طواشة في بساتين طويريج وكانت تغني أثناء جني التمر وغناء النساء اثناء الحصاد وجني التمر متعارف عليه لذلك أعجبت النساء بصوتها وأخذت تتردد مع والدتها في الأفراح وكذلك في مجالس العزاء حيث كانت النساء يطلبون منها ان تغني بالافراخ وقراء في مجالس العزاء انتقلت عايلتها الى مدينة الكاظمية سكنت محلة القطانة باب الدروازة فترة من الزمن بعدها انتقلت الى محلة كهوة شكر في بغداد كان لها اخ بقى في الكاظمية يعمل خياط اما زوجها اسمه صباح كان مسجون في سجن الحله لانه شيوعي واثناء عودتها من زيارتها له للسجن مع شقيقتها فاطمة تعرضت لحادث سير ماتت هي واختها هي ماتت بعد أيام في المستشفى ويقال ان الحادث مدبر من الأمن لأن السايق لم يصاب بأذى وهرب))).
نعود الآن الى تكملة موضوع الحلقة السابقة عن المطربة زهور حسين.
واقع الحال، فان في هذين المقامين(مقاميْ الدشت) ان زهور كانت فيهما تغني الدشت بأجمل ما يكون من التعابير. وربما تكون اجمل من غنى مقام الدشت في تعابيرها الشجية. وقد نستطيع القول وبسهولة أيضاً. ان اغانيها المسجّلة بصوتها، تمتاز أيضاً بنجاح واضح، بل هو نجاح ساحق في انسجام صوتها مع لحن الأغنية وكلامها المغنى. وبصورة تثير الاعجاب. وباستطاعتنا الاستماع إلى معظم اغانيها ومقاماتها العراقية القليلة التي سرعان مانكتشف هذه الحقيقة وهذه الميزة الايجابية.
بصورة عامة، ان اغاني زهور حسين، أغانٍ شعبية مباشرة أو شبه ذلك. أغانٍ يمكن ان اصفها بأنها أغاني بريئة، سليمة المقاصد، عفوية رغم أنها من الأغاني العقلية المقصودة، أي الأغاني التي لها ملحن معروف في المجتمع وكاتب معروف ومغني معروف..! انها أغانٍ تفرض على المتلقي التخلي عن غرائزه المجردة. وتؤكد وجود الغرائز العاطفية السامية وتحركها بحيث تسمو بالمتلقي إلى آفاق الخيال والحب والشجن. كما ان هذه الأغاني تمثل أيضاً البراءة الحزينة، البراءة الشجية، البراءة المتفائلة. بأدائها الحزين الممتزج بالشجن والعاطفة والتفاؤل المعبِّر عن كل تاريخ بغداد والعراق. ويصل التصور إلى أن هذه الفنانة كانت تتوخى في اختيار الكلمات الغنائية معانِ محددة. تشترط على المؤلف ان لا تخلو من السمو والود وحب الوطن. وأنها تذكِّر الناس دائماً بالوطن بالحب بالسلام بالأم بالأب بالأخت بالأخ بالحبيب بكل الناس..! ويبدو لي أيضاً أن هذه التعابير الغنائية لزهور حسين، تكشف الصورة الحقيقية عن الخطيئة الظاهرة في سلوك البشر. ومن ثم تدعو إلى التأمل ومراجعة الذات..!! استمع عزيزي القارىء الكريم إلى بعض أغانيها مثل اغنية(أخاف احجي) واغنية(خاله شكو) ومقام الدشت(إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى) واغنية(انت الحبيب) واغنية(يابنت البلد) واغنية(حلو حلو هوايه حلو) ومقام الدشت الآخر(لقد سار الحبيب فلستُ ادري) واغنية(جيت يهل الهوى) واغنية(آني اللي اريد احجي والعالم يسكتوني) واغنية(سلمة ياسلامة) واغنية(غريبة من بعد عينج يايمة) واغنية(يابنية عليج الله) واغنية(اويلاه يابه) وغيرها الكثير.
لقد غنت هذه المطربة العراقية الكبيرة زهور حسين. الكثير من الأغاني القديمة والجديدة نسبة لحقبتها التي عاشت فيها. وامتازت هذه الأغاني بجماليتها الاقليمية وخصوصيتها المعبرة عن واقع الحياة البغدادية منتصف القرن العشرين. بالرغم من انها قضت شطراً من حياتها في مدينة كربلاء من خلال صوتها الذي عبّرت بواسطته عن هموم ومعاناة المرأة العراقية أكثر من أي مطربة اخرى..! باسلوبها الشعبي الذي وصلت بواسطته إلى معظم او جميع فئات الشعب الجماهيرية. ودغدغت جوارحهم وتلاعبت باذواقهم فحركتها بشفافية وغزل. وبهذا الحضور الشعبي لاغانيها، فقد عاشت زهور حسين حقبة فنية ممتعة زخرت بمجموعة من الأغاني ذات الروح البغدادية والعراقية الاصيلة. فقد ولدت زهور حسين في مدينة كربلاء عام 1924. وكانت نشأتها الأولى فيها، وفي طفولتها انتقلت إلى بغداد وعاشت فيها معظم حياتها القصيرة، فامتلكت الكثير من مميزات البيئة البغدادية وخصوصيتها. وعبّرت بأدائها الغنائي عن حياتها الاجتماعية. فكانت زهور حسين مطربة مليئة بالحيوية والشباب والمهارة الغنائية. وكانت اغانيها عموماً قد امتازت بعامل مشترك بالتعبير بروح ادائية وصلت من خلالها إلى اعماق مشاعر وعواطف الشعب العراقي برمته.
ان الاسلوب الادائي السهل الذي تمتلكه زهور حسين في اغانيها، وكذلك وضوح معاني الكلمات التي تكتب لاغانيها بصورة عامة. إضافة إلى المسارات اللحنية التي يضعها لها ملحنون جيدون عاصروها وابرزهم الملحن عباس جميل. قدر لهم جميعاً أن يتفقوا بما يهدفون لايصال ذلك إلى المجتمع كرسالة انسانية تعبيرية تعكس واقع الحياة التي يعيشونها معاً. حتى يصل الامر إلى الاعتقاد بوجود تصور وشعور لدى أي فرد في المجتمع بأن هذه الاغنية أو تلك لزهور حسين هي من ممتلكاته الخاصة أو جزء منه..! لانها عبّرت عن همومه ومشاعره بصورة مباشرة كما يبدو. أن غناء وتعبير زهور حسين التي اثارت احاسيس الذوق النسوي الشعبي بكل فئاته وبصورة أكثر مباشرة من غيرها من المطربات الاخريات. حيث تفاعلت بصورة مؤثرة ومميزة مع الكلمة واللحن. او بالاحرى كان تفاعل الجميع. زهور حسين كمغنية وملحنوها أمثال عباس جميل ورضا علي وكتاب أغانيها أمثال سيف الدين ولائي ومجيد معروف وجبوري النجار وغيرهم. هؤلاء تفاعلوا بكل عنفوان وكأنهم بصدد صنع سبيكة ذهبية غاية في الذوق والفن قابلة لأن يخلدها التاريخ. تفاعلوا كما لم يتفاعل غيرهم بمثل هذه العلاقة فيما بينهم وبين جمهور المستمعين. فكانوا بذلك سهلاً ممتنعاً حقاً..! مع شعورنا الدائم، أنه رغم هذه السهولة في التعامل الفني مع الجماهير، فأننا نجد أنه من الصعوبة بمكان أن نلاحظ مقطعاً لحنياً أو جملة ما في أغنية أو مقام لزهور حسين يمكن أن نحذفه من العمل..! والعكس صحيح حيث لا نشعر أنه من الأفضل زيادة في مقاطع وجمل أية أغنية لزهور حسين، لأن بناءها اللحني يكاد يكون متكاملاً مع الكلمة والأداء وأنها أعمال رصينة ومتزنة وبسيطة عبّرت عن مشاعر المتلقي بصورة ليس فيها أي تعقيد او تقصّد أو تعالِ أو تصنّع .
عاشت زهور حسين حقبة زمنية فنية جيدة. عاصرت فيها موسيقيين ومطربين افذاذاً من ثمار الأجيال الأولى للدراسات الأكاديمية الموسيقية،على الاخص من طلبة معهد الفنون الجميلة الأوائل. أمثال جميل بشير وسلمان شكر وسالم حسين وغانم حداد ومنير بشير وحسين عبد الله وآخرين غيرهم ممن عملوا في مجال التأليف الموسيقي والإعداد الموسيقي واللحني ومرافقة المطربين الذين أرّخوا لهذه الحقبة من انتصاف القرن العشرين. أعمال ونتاجات غاية في الاهمية لتاريخ العراق الحديث والمعاصر في الفن الغناسيقي. وكانت هذه الحقبة ومابعدها، خلاصة لحقبة التحول من بدايات القرن العشرين حتى حقبة التجربة في انتصاف القرن العشرين وفي الثقافة والفن في العراق. وقد امتازت حقبة التجربة أيضاً بالتطلعات الفنية الاخرى خارج المحلية والاقليمية أملاً فـي التفاعل الفني والثقافي للبلدان حوالينا، خاصة منها البلدان العربية. وقد ساعد على ذلك التطور النسبي لأجهزة التسجيل الصوتية واتساع أفق المذياع بحيث وصلت قوته إلى ان تستمع إلى إذاعات بلدان اخرى وانت مقيم في بلدك. الامر الذي ساعد على تقوية عنصري التأثر والتأثير بين الجميع. وقد لوحظ وكانت ملاحظة قيمة. ان عقد الخمسينات بلغت فيه الاغنية البغدادية شأوا ملفتا للنظر. فقد سيطرت على الساحة الغنائية مما حدا بالملحنين ان يستقوا مساراتهم اللحنية وتعابيرهم من الخزين المقامي العراقي البغدادي.
والى الجزء الثالث من حلقة زهور حسين ان شاء الله.
صورة1/ حسين الاعظمي في مهرجان ايام الموسيقى العربية لدول المشرق العربي بباريس شباط 1985.

صورة2/ زهور حسين
