
من رحم النضال/ 76
د. مزاحم مبارك مال الله
قلتُ إن "وفي" اسمٌ على مسمّى، فحينما ودّعني في محطة بلغراد الكبرى مغادراً إلى صوفيا، دسّ في يدي مبلغاً لم أعرف كم كان، إلا بعد أن احتللت مقعدي في القطار، وكان 300 دولار. فهو يعرف تماماً أنه ليس عندي مال.
وصلتُ صوفيا واتجهتُ بتاكسي نحو فندق بليسكا، حجزتُ غرفةً لفترة غير محددة، لأني لا أعرف كم سأمكث هناك.
نزلتُ على الفور إلى الشارع المؤدي إلى مركز المدينة، والمؤدي إلى ضريح ديمتروف، ومقابله بناية ضخمة جداً من طوابق عدّة، وهي بناية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري.
في الذهاب والإياب، كنتُ أسمع كلمات عربية، وتحديداً باللهجة العراقية، إذ كان العراقيون الشباب منتشرين بكثافة. في الحقيقة، لم أكن أتوقع هذه الأعداد من العراقيين الذين لجأوا إلى بلغاريا، ومؤكد أن أغلبهم من الشيوعيين، وهذا لا يمنع من وجود مندسين من أمن ومخابرات حزب البعث المجرم.
بعد مرور أسبوع أو عشرة أيام، التقيتُ ببعض الرفيقات والرفاق في الشارع، إذ لم يكن لديهم أي عمل سوى قضاء الوقت وعدّ الأيام بلا طائل. منهم من كان من جامعة الموصل، ومنهم من تعرفتُ عليهم في بغداد خلال المناسبات الحزبية المختلفة، ومنهم من المندائيين الذين لجأوا للأسباب السياسية نفسها التي لجأ بسببها أغلب هؤلاء المغدورين. وقد ذكروني بالأعداد غير القليلة التي التقيتها في براغ.
زرتُ العديد منهم، وكانوا في وضع نفسي أتعس وأصعب مني، ويبدو أنهم أيضاً عانوا ما عانيتُه بسبب موضوع التزكية. عشرات من الشباب يقضون أيامهم وساعاتهم بلا بوصلة، ومحاذير التحدث عن حالة أي منهم كثيرة جداً، إن لم تكن ممنوعة.
في صوفيا، التقيتُ الرفيق العزيز والمؤرخ الإعلامي الألقوشي، رفيق أيام الأنصار في بوزان وبيبان "نبيل دمان". كما التقيتُ الرفيقة "ثريا"، أخت الشهيد (لؤي) من شهداء الحزب المندائيين، وكذلك الرفيق "صارم" الذي أصبح زوجها لاحقاً، والرفيق صارم ابن أخ الشهيد البطل "ستار خضير"، وهما مقيمان في السويد حالياً. وقد التقينا بمودّة رفاقية كبيرة بعد سقوط نظام البعث المجرم. كما التقيتُ "إسماعيل"، وكان أحد الجنود المكلفين الكتّاب في دائرة تجنيد الكاظمية الثانية، وغيرهم بالعشرات.
أحد الرفاق الذي يعرفني حق المعرفة اقترح عليّ أن أزور الرفيق مسؤول المنظمة، واسمه "خليل" (أصبح لاحقاً مقيماً في نيوزيلندا حتى وفاته هناك).
ذهبتُ حسب الوصف إلى إحدى الغرف في دُوَم الطلبة، ووجدتُ الإعلان الآتي وقد تم لصقه على باب غرفته:
(الرفيقة/ الرفيق.. إذا لديك أي استفسار، اكتب اسمك هنا مع رقم الهاتف أو عنوان الاتصال لغرض الاتصال بك لاحقاً)..!!
استغربتُ جداً من هذا الأسلوب، والذي يتقاطع تماماً مع مفهوم التزكية. لم أرَ مثل هذا الأسلوب سابقاً ولا لاحقاً.
المهم، وعن طريق الرفيق نفسه الذي دلّني عليه، التقيتُ برفيق يتحدث باسم الرفيق المسؤول، وشرحتُ له كل التفاصيل. أعطاني موعداً على أمل أن أتلقى جواباً.
عند اللقاء الثاني مع هذا الرفيق، جاءني بالجواب التالي...
(يتبع)
