
يوميات حسين الاعظمي (1488)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 10
فــــريدة محمد علي.. المطربة الفريدة
( 1963- ........ م)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
ولدت المطربة فريدة في مدينة كربلاء من محافظات وسط العراق عام 1963. ونشأت في اسرة تشجع ممارسة الفن. كان والدها يعمل مترجما للغة الفارسية في دار الاذاعة العراقية. وعُرِفتْ فريدة اول ما عُرفتْ في صغرها، تلميذة منشدة في فرق المدارس الابتدائية والمتوسطة والفرق الجماهيرية التي قادها الفنان الكبير فاروق هلال في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم. وقبل كل ذلك وهي في فتوَّتها عملت مع الفنان الهام المدفعي. فكانت هذه اول تجاربها الفنية الاحترافية وهي في وقت مبكر من عمرها. وفي الوقت الذي كانت فيه فريدة تلبي طموحاتها الفنية وتمارس هوايتها ورغبتها في الغناء التي يمكن اعتبارها بداية مسيرتها الفنية. نجد الى جانب ذلك انها كشفت لنا عن موهبة اصيلة وجيدة بصوتها الواعد. خاصة في الغناء التراثي..! وغنائها لمجموعة من ألاغاني التراثية ومقاطع صغيرة من المقامات العراقية وعلى الاخص منها مقام الدشت الذي تغنيه باسلوب خاص تماما..! مازجة التعابير الفارسية بالتعابير العراقية لنحصل في النهاية على مقام دشت خاص وجميل باعتبار ان والدها مترجما للّغةالفارسي ووالدتها من اصل اذربيجاني. فاختلطت التعابير هذه في البيئة العراقية البغدادية. وعليه فان فريدة أمست تمتلك اسلوبا أدائيا خاصا بها. انها تجربة ناجحة بمقاييس نسبية آنئذٍ. وفي هذه الفترة او بعدها بقليل، جاء بها المرحوم منير بشير الى فرقة التراث الموسيقي العراقي كموهبة واعدة اذ طلب مني حينها ان ادربها واعلمها بعض المقامات العراقية. وبعد فترة من التدريبات معي، إرتأى الفنان منير بشير انه يتوجب على الفنانة الفتية ان تتدرب برفقة آلة موسيقية تراثية وهكذا كان. فانظم إلينا عازف السنطور في الفرقة الفنان سعد عبد اللطيف صدقي العبيدي لتطوير هذه الموهبة فانتظمت تدريباتها. وبذلك أخذت فريدة فرصة أخرى من التعلم لتتمرن هذه المرة مع آلة موسيقية تراثية مع ملاحظات سعد عبد اللطيف الفنية الذي كان قد تخرج من معهد الدراسات النغمية العراقي توّاً. وبالمقابل عدم انتظام تمريناتي لها واكتفت بتمارينها مع آلة السنطور. وبمرور الزمن اصبحت فريدة زوجة لسعد عبد اللطيف الذي استطاع ان يصنع المناسبة والاهتمام بتوجيه زوجته الفنانة بالتدريبات المقامية مع الآلة الموسيقية. انطلق من عواطفه الدفاقة ومن تصميم عالمه الخيالي. واستقى خيالا أرحب فسبح في فضائه مستصحبا زوجته الفنانة. وتفيد مفردات حياة الفنانة فريدة. ان ثمة تقاطع في انسيابية عالم زوجها. فعالمه الخيالي العاطفي صادق مترع بالاصالة والود. اما عالمه الواقعي فشتّان بينهما. وهنا برزت موهبة اخرى لفريدة تمثلت في سعة اداركها وهدوئها فاظهرت رضاها عما يسمى(بالتقاطع) بغية ان تستطيع توحيد كل الامتدادات الممكنة للجو الخيالي الجديد بسخرية ضمنية من التقاليد. وهي تمتلك نبوغا وقوة تأثير. ولكنك تقف عاجزا امام ظروف قاهرة قهرتك وشلت إرادتك، وهذا ما حصل لفنانتنا القديرة. فبعد ما اثمرت العلاقة الزوجية عن ولد جميل أسمياه(عبد اللطيف) عام 1979 شاءت الرياح معاكسة السفن، وزوبعة تكفي لان تعود الفنانة كئيبة تعيش لولدها الرضيع. بعد ان فقدت زوجها في الحرب العراقية الايرانية ولم يعرف مصيره حتى اليوم..!
وبسبب ظروفها الخاصة، ابتعدت عن فرقة التراث والغناء فترة قاربت الخمس سنوات. ولكن حنينها الى الفن وموهبتها الكامنة كالضمير المستيقظ، دفعاها الى العودة بعد أن أصابها اليأس من رجوع زوجها. وكانت عودة ميمونة اذ كانت مدروسة..! فقد انضمت الى معهد الدراسات النغمية العراقي كطالبة رسمية فيه.
أحسّت فريدة بأن الحياة تبتسم لها من جديد..! وتلهيها وتمنعها من اجترار الماضي الموجع. فقد تعرّفت في المعهد على زملاء طيبين خففوا عليها وطأة الذكرى المؤلمة. فكان الطالب كاظم الساهر الذي اصبح علما بارزا محترما يفتخر به العراقيون والعرب زميلا ودوداً لها. وكذا الفنان محمود انور واحمد نعمة..و..و.. وغيرهم الكثير من طلبتنا في المعهد ممن اصبحوا من الفنانين المشاهير. تلمست جراحها ففرحت اذ وجدتها قد التئمت وباتت ذكرى لا اكثر. ياخذها الاثير ويذهب بها بعيدا. الى حيث لا عودة لها. قالت وهي تناجي ذاتها(ألم اقل لك ان الحياة بدأت تبتسم..!؟) وكانت على حق في تحليلها وفي حدسها، اذ تودد اليها الكثيرون ولكن حظها ونصيبها دلتاها على زميلي في الهيئة التدريسية الفنان المعروف محمد حسين كمر. فأرست زورقها عنده، فكان هذا الفنان الدؤوب شعلة من نشاط وطموح، خير حبيب لها وسند..! وبالتالي زوج هندّس لها مسيرتها الفنية ورتب لها شؤونها الفنية. سلّمت له مقاليد العقل والروح فمنحها طفلة جميلة(ثريا) واستمر التلاقح الفني عامرا بين الفنانين الزوجين وبرعت في غنائها للاغاني والمقامات العراقية.
عندما انضمت فريدة الى معهد الدراسات النغمية العراقي منتصف الثمانينات، كنت حينها لم ازل مدرسا في المعهد لمادة المقام العراقي. وقد علقت فريدة حينها بقولها لي (وهكذا رسم القدر على ان تصبح استاذي مرتين وانا ممتنة لك بالتاكيد) فصمتت لحظة لتواصل بعدها ملتقطة مفردات محدودة تصر على اسنانها عند النطق بها تعبيرا عن صدق لم يغادرها ساعة حتى يلجأ اليها مسرعا فتقول وكانها تستدرك امرا مسرعا به (وانا ممتنة لك ايضا لانك منحتني هذا الشرف) وكلامها هذا يعبر عن ادبها من ناحية وعلى وفائها من ناحية اخرى. ومن خلال المعهد اصبحت دروسها منتظمة بطبيعة الحال. وهكذا تعلمت فريدة مقامات عراقية عديدة وصلت الى الاربعين مقاما طيلة تلمذتها التي امتدت لست سنوات دراسي. وللحقيقة اذكر، بما اني اعرف فريدة سابقا. عندما جاء بها الفنان منير بشير اواخر السبعينيات لأُعلِّمها بعض المقامات العراقية في فرقة التراث الموسيقي العراقي. فاني على علم بموهبتها وعلى دراية بما تحتاجه لصقل هذه الموهبة. فلم اكن مدرسها الرسمي في المعهد فحسب. بل كنت مرشدا ومعينا واخا على معرفة وقناعة بما يفعل. فاستطاعت والفخر لها. خلال سنوات دراستها ان تصبح مطربة مقامية يحسب لها حسابا كبيراً. وبهذا تكون فريدة قد امتلكت الريادة بين قريناتها ممن أدَيْنَ المقام العراقي من النساء. على انها اول مطربة مقامية تحصل على شهادة دراسية اكاديمية في الموسيقى. عوضا عن ادائها للمقامات العراقية باصولها التقليدية. هكذا اذن استمرت مسيرة فريدة في هذه الفترة بمسار تصاعدي تدريجي ونشاط هادئ حكيم. وهكذا ايضا تكون فريدة قد ابرزت سمات حقبتها الزمنية(حقبة النضوج)(هامش1)التي تلت حقبة التجربة من تطور فنوننا الموسيقية في العراق. وأعطت من تجربتها للفن الغنائي قسطا وافياً. وقد كان لوجود الفنان محمد حسين كمر ايضا الى جانبها، امراًأكد تطورها الفني التصاعدي ممتزجا بتجربتها ورؤيتها الواعية. وهكذا أحيطت فريدة بأساتذة كثيرين تُلمذت على ايديهم في الدروس الموسيقية الاخرى. وكانت فريدة على موعد مع الابتسامة الدائمة. والموعد قد ازف، فقد اعلن عن اقامة حفلة كبيرة لطلبة واساتذة المعهد على مسرح الرشيد ببغداد. وكان ذلك عام 1985 وفريدة لم تزل في الصف الاول او الثاني من دراستها في المعهد. وقد كلفتني ادارة المعهد ان أهيأ احد المقامات العراقية لفريدة كي تغنيه في الحفلة. وكان الاختبار مقام الاورفة. ولضيق الوقت زمنذاك وقرب موعد الاحتفالية، فقد سجلتُ لها مقام الاورفة بصوتي وطلبتُ منها ان تحفظه نصا(كلاما ولحنا) وكان الامر كذلك. عندها قلت لها(اختاري قصيدة اخرى غير التي حفظتيها وغني هذا المقام وتصرفي كما تشائين) لأني ادركتُ انها حفظت فورم هذا المقام من خلال حفظها للمقام المغنى بصوتي والذي حفظته نصا. وكنت واثقا انها ستضيف من عندياتها اشياء لحنية جميلة. وفعلاً كان الامر كذلك. فقد اختارت فريدة قصيدة الشاعر الكبير معروف عبد الغني الرصافي.
والى الجزء الثاني من حلقة فريدة ان شاء الله.
هوامش
هامش1: حقبة النضوج : في كل كتاباتي عن المقام العراقي , كنت قد قسمت القرن العشرين الى ثلاث حقب زمنية، فالحقبة الأولى(حقبة التحول) التي عمت العقود الأولى للقرن العشرين. ثم الحقبة الثانية(حقبة التجربة) وهي حقبة انتصاف القرن العشرين أما الحقبة الثالثة(حقبة النضوج) الواقعة في العقود الاخيرة من القرن العشرين. اعتمادا على تطور الإمكانيات في البلد وتيسر الوسائل واتاحة الفرص بصورة اكثر وبالتالي زيادة الثقافة والمعرفة والاتساع في إنشاء المؤسسات الفنية والمعاهد الدراسية الأكاديمية ومن ثم الانفتاح الذي حصل للبلد على العالم(المؤلف).
صورة 1 / الواقفون من اليمين وسام ايوب وحسين الاعظمي وفريدة. الجالسون بهاء عبد الرزاق ومحمد كمر وجميل محمد علي. بغداد شباط 1992.
صورة 2 / المطربة الفريدة، فريدة محمد علي.
