
من رحم النضال/ 77
د. مزاحم مبارك مال الله
كنتُ بلهفة شديدة أن أسمع أخبارًا مريحة من الرفيق الذي كان يتحدث معي باسم منظمة الحزب الشيوعي العراقي في بلغاريا، نيابةً عنهم. على الأقل كنت أريد أن أبقى محتفظًا باحترامي لنفسي أمام نفسي، أو أن أشعر بشيء من الانتصار أمام عواتي الزمن. أنا لم أطلب سوى حقي… حقي الشرعي بكوني عضوًا في الحزب الشيوعي العراقي.
قال:
– رفيق، لماذا لم يستقبلوك في براغ؟
ضحكتُ من سؤاله، وكأن ما حدثته به سابقًا قد طار أدراج الرياح، فقلت:
– رفيق، أنا شرحت لك كل التفاصيل في اللقاء السابق، وقلت لك إن موضوع التزكية هو العائق، أما عدم استقبالهم أو قبولهم لي فهذا أمر يعود لهم، اسألوهم.
قال:
– لا نحتاج أن نسأل… توجيهات الحزب واضحة، لا يمكن أو من الصعب جدًا إعادة تنظيم أي رفيقة أو رفيق بلا تزكية!
فانتفضتُ قائلاً:
– وهل أنا أو غيري، بالعشرات الذين تشاهدونهم في الشوارع، مسؤولون عن التزكيات؟ أم قيادة التنظيم هي التي بتّت بنا الحبل؟
قال بهدوء:
– اهدأ رفيق، اهدأ… لست وحدك، الحزب ماضٍ في حل هذا الإشكال.
قلت:
– وكيف سيحلّه الحزب، ممكن أعرف؟
قال:
– نعم… الالتحاق بكردستان، وهناك تتم إعادة التنظيم.
قلت:
– شوف رفيق، أنا لست خائفًا أو مترددًا من الالتحاق بكردستان، فقد سبق أن كنت ضمن قوات الأنصار في بوزان وبيبان كما شرحت لك سابقًا، ولكن قرار الحزب والالتزام به يجب أن يسري على الجميع بلا استثناء، فهذا مصير حزب.
قال:
– نعم، كلامك صحيح، ولكن الالتزام الحزبي يتطلب منك أن تفعل ما يُطلب منك، وليس لك علاقة بالآخرين.
فقاطعته قائلاً:
– يعني هنا عندما أقول الحق تطالبوني بـ(الالتزام الحزبي)، وعندما أحتاج الحزب تطالبوني بالتزكية؟ أيّ معادلة هذه؟
قال:
– رفيق، أنت تعلم أننا مقيمون هنا منذ سنوات ولدينا مسؤوليات حزبية…
فقاطعته مجددًا:
– بل قولوا إنكم منتفعون ومستفيدون وتتاجرون بنا.
وتركتُه غاضبًا.
كان هذا لقاءً ساخنًا بيني وبين هذا الرفيق الذي يمثل المنظمة الحزبية، وكنت متأكدًا أنه سينقل كل هذا الحوار إلى قيادة المنظمة، والتي كنت أأمل أن تتصل بي لاحقًا لإدامة المودة الرفاقية، لكنهم لم يفعلوا.
شعرت بانكسار أشد من السابق، وخيبة أمل عميقة جدًا، وبدأت أجوب الشوارع أبكي على روحي بصمت، نادبًا حظي، مستذكرًا التاريخ… فمن هنا كانت تنطلق أصوات دعم الشعب العراقي عبر إذاعة (صوت الشعب العراقي) خلال محنة الفاشية البعثية الأولى بعد مجازر 8 شباط 1963، حين كنا نسمعها أثناء تناولنا الشاي مساء كل يوم في بيتنا في البياع، وكان عمري حينها سبع سنوات لا أفقه شيئًا.
وأصبحت من التائهين… أنا والعشرات مثلي.
(يتبع)
