للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 78

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

كان الانكسار واضحاً على نفسيتي ووجهي وخطواتي وكلامي. فقدتُ الشهية تماماً، إذ كانت تلك آخر محاولة لي للتشبث بالتنظيم الحزبي، أو على الأقل إيجاد صلة من نوع ما مع الحزب.

 

طيلة ذلك اليوم، وما تلاه من أيام، كانت طبول التفكير لا تهدأ في جمجمتي. كانت الأفلام والصور المتبعثرة عن الإيمان المطلق بالحزب والتضحيات تتجمع على شكل ألم نفسي عميق؛ أفلام سينمائية قصيرة وسريعة عن المواقف والاجتماعات، والكفاح والدعاية، وتوزيع الجريدة، والرفاق الذين ضاعوا، والدفاع عن سياسة الحزب، وتوعية الطلبة والناس، وأهلي وأخوتي، ورسوماتي، وطريق الشعب، والفكر الجديد، وبوزان وبيبان… وغيرها.

 

وأخيراً استجمعتُ قواي، ورحت أراجع نفسي وما أنا مُقبل عليه. كانت المعادلة كالتالي: الحزب، ولظروفه الأمنية، لا يمكن أن يستقبلني. وأنا طموح في إعادة ذاتي التي فقدتها في جامعة الموصل. تأريخي مشرّف وليس فيه شائبة، وعشق الحزب متغلغل في أعماقي حتى على مستوى العاطفة. لم أخن الأمانة، ولا أفكر بذلك مهما كانت المغريات.

 

وأنا جالس في الكوفي شوب الكائنة في النفق المؤدي إلى ضريح ديميتروف، دخل فجأة صديقي الذي تعرفت عليه قبل عشرة أيام أثناء تجمعات الشباب في المقاهي والشوارع، واسمه صلاح مهدي، وهو أيضاً قدم للدراسة على حسابه الخاص.

كان صلاح مؤدباً جداً، بسيطاً وخجولاً، وجده الأعلى من أصول هندية، وهو يحمل بعض ملامحها. وقد بدا لي من خلال كلامه أنه من عائلة يسارية، وهو ما تأكد لاحقاً. ثم سألني سؤالاً غريباً:

– مزاحم، هل أنت من الربع؟

– أي ربع؟

– من الشيوعيين الذين يملأون الفنادق…

فقلت متحفظاً: لو كنت منهم لما وجدتني جالساً وحدي. يا عزيزي، أنا لست منهم ولا من غيرهم، ليس لدي أي ميول سياسية، وجئت للدراسة على حسابي الخاص.

فقال:

– مثلي.

كان صلاح يثق بي ومرتاحاً معي، وانشرح صدره حتى أخبرني أن عمه، واسمه حسين، من الشيوعيين العراقيين المعروفين في بريطانيا، وتحديداً في لندن. فقلت له:

– لماذا لم تذهب عنده؟

قال:

– إذا لم يقبلوني هنا، سأطلب من عمي أن يجري لي معاملة ويسحبني إلى لندن.

لم يتمكن صلاح من معرفة الكثير عني، رغم إحساسي بأنه صادق.

 

 لاحقاً خابرت صديقي شاكر القره غولي المقيم في بريطانيا، وسألته عن الشخص الذي اسمه حسين، وأعطيته مواصفاته، فأكد لي شاكر صحة المعلومات. لذلك ازدادت ثقتي بصلاح، وأصبح صديقي الأقرب في صوفيا ولسنوات لاحقة.

كان صلاح من النوع الذي “يتخشخش” ويملك قدراً كبيراً من الامكانية في جمع المعلومات، خصوصاً الرسمية منها. فاتفقنا أن نذهب إلى وزارة التعليم العالي ونقدّم هناك في قسم الدراسات على النفقة الخاصة. وكان موعدنا عند باب الوزارة الكائنة في مركز المدينة.

(يتبع)