للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 79

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

لم أكن أتمنى، ولم أرغب أن تكون دراستي على هذا الطريق. كل ما كان يراودني من أمنيات هو أن أكون أحد طلاب الحزب الشيوعي العراقي في أي بلد في العالم.

 

دخلنا أنا وصلاح الباب الرئيسي للوزارة، وكنا متجهين نحو الاستعلامات، وصادفنا عدداً من الشابات والشباب العراقيين. سألهم صلاح، فدلّوه إلى الكاونتر المطلوب. توجهنا إليه، فوجدنا استمارات عديدة مطبوعة، مكتوب عليها بخط عريض وباللغة العربية (شروط التقديم للدراسة الجامعية الأولية للطلبة الأجانب في بلغاريا)

أخذ كل منا مجموعة من هذه الاستمارات، وكانت مطبوعة بالعربية والإنكليزية والبلغارية، ومرفقة بالشروط، وهي:

   وثائق رسمية مصدّقة، بما فيها نسخة من جواز السفر والفيزا البلغارية

   صور شخصية

   صك أجور السنة الدراسية معنون الى وزارة التعليم العالي البلغارية وبمبلغ ما يعادل الف دولار امريكي.

   ملء استمارة معلومات تشمل الجنسية، وسنة التخرج من الإعدادية، والمعدل العام، ونوع التخصص الراغب في دراسته

أكملنا كل شيء، باستثناء بعض الشروط التي كانت تحتاج إلى توفير. اتصلنا أنا وصلاح بأهلينا كلٌ على حدة. وبعد حوار طويل بيني وبين أهلي، وافقوا على أن يأتي إليّ أخي الكبير (ليفهم ما الموضوع).

 

عرفت من صلاح أن الصك يُدفع عن طريق البنك المركزي البلغاري وبالدولار، بعد أن نأخذ استمارة من معهد جمال عبد الناصر القريب من فندق بليسكا، وأن الصك على دفعتين الاولى 200 دولار، أما إذا صدر القبول في الجامعة، فلاحقاً عليك دفع 800 دولار اما بقسط واحد او على قسطين.

 

وصل أخي الكبير، وقال لي حينها:

"إلى أين ستأخذني بعد يا مزاحم؟ وياريت تكون هذه آخر مرة."

بقيت أتحمّل تأنيبه وكلامه، لأنني أعرف كم هو حنون ومحب. انتقلنا أنا وهو إلى غرفة للإيجار، وقصصت له كل ما حصل لي منذ أن تركني في دمشق، فقال:

"واضح جداً أنكم ما زلتم تركضون وراء سراب… الوضع في العراق صعب، ووضع الحزب مؤلم جداً."

 

بدأنا بإتمام المطلوب وفق شروط التقديم، وأعطاني أخي ألف دولار. ذهبنا في اليوم التالي، وحررت صكين بـ 200 و800 دولار، وأعطوني وصلاً بذلك (بقيت محتفظاً به لسنوات، ثم للأسف رميته لأنه من أوراق الماضي التعيس).

دفعت هذا المبلغ الكبير كي لا أبقى أفكر بأجور الدراسة، فالقبول مضمون 100% مادام بالمال. وهي مجرد إجراءات روتينية (كما قال موظف وزارة التعليم العالي).

 

كل شيء تم على ما يرام بفضل دعم أهلي. وعندما وصلنا إلى مرحلة ملء الاستمارة، وفي خانة التخصص المطلوب، كتبت: كلية الطب.

تفاجأ أخي وقال:

"هل أنت مجنون؟ دراسة الطب تحتاج إلى جهد كبير وعقل صافٍ."

فقلت له:

"نعم، أعلم… وهذا هو التحدي."

وافق أخي على مضض، وذهبنا أنا وإياه وصلاح إلى وزارة التعليم العالي، حيث تم ختم جميع الأوراق…

وكانت المفاجأة…

(يتبع)