
الرصيف
صالح مهدي محمد
نمشي عليه كل يوم دون أن نفكر فيه مرة واحدة، وهذا بالضبط ما يجعله جديرًا بالتفكير. الرصيف، ذلك الشريط الضيق من الإسمنت الذي يفصل بين السيارات المسرعة وخطواتنا البطيئة، هو أكثر الأماكن حضورًا في حياتنا وأقلها حظًا من اهتمامنا. نعبره صباحًا ونحن نلهث خلف موعد، ونتباطأ عليه مساءً حين نعود إلى البيت، وهو في الحالين يبقى صامتًا، يتحمل خطى المارة وضجيج العجلات.
في المدن القديمة، كان الرصيف مكانًا للجلوس قبل أن يكون مكانًا للمرور. كان البائع يفرش بضاعته عليه، والجار يخرج كرسيه ليتسامر مع من يمر، والأطفال يخطّون عليه مربعات اللعب بالطبشور. أما اليوم، فقد تحول الرصيف في كثير من مدننا إلى مجرد ممر للعبور، لا نتوقف عنده إلا مضطرين، وكأن المدينة قررت أن الجلوس والتأمل رفاهية لا يحتملها الإسفلت.
ولا يعني ذلك أن الأرصفة بقيت على حالها؛ فقد وقعت أجزاء كثيرة منها تحت تأثير الأسواق والشوارع التجارية، حتى اختفت معالمها في بعض الأماكن، وتحولت إلى محطات مؤقتة لبعض الباعة، أو إلى امتدادات للمحال التجارية. وهكذا لم يعد الماشي يجد دائمًا ذلك الخط الفاصل بين الطريق والمبنى، بل يجد نفسه مضطرًا إلى مزاحمة السيارات، أو المرور بين البضائع والعربات، وكأن الرصيف فقد وظيفته الأساسية: أن يكون للإنسان.
ومع ذلك، لا يزال الرصيف يحمل شيئًا من ذاكرة الحي. عليه تتشكل صداقات الجيران العابرة، تلك التي لا تبدأ بموعد ولا تنتهي بوداع، بل تحدث في لحظة تقاطع قصيرة أمام باب أو عند زاوية شارع. وعليه أيضًا تتكشف طبقات المدينة الاجتماعية؛ فبعض الأرصفة نظيفة ومرتبة، تشي بحي مرفّه، وبعضها متصدع ومهمل، يفضح إهمالًا أكبر منه؛ إهمال الجهات التي يفترض أن تصون هذا الخط الرفيع الذي يمشي عليه الجميع دون تمييز.
ثمة علاقة خفية بين الرصيف وإحساسنا بالأمان. حين يكون واسعًا ومضاءً ونظيفًا، نمشي بخطى مطمئنة، نرفع رؤوسنا وننظر حولنا. وحين يضيق أو يظلم أو تحتله السيارات المركونة، نتحول إلى كائنات حذرة، نترقب ونتلفت، وكأن المدينة نفسها ضاقت بنا. الرصيف، إذن، ليس تفصيلًا هندسيًا بقدر ما هو مقياس صامت لعلاقة المدينة بسكانها، ولمدى احترامها لمن يمشي فيها على قدميه، لا لمن يعبرها بسيارته.
وربما كانت أصدق لحظات المدينة هي تلك التي نلتقطها ونحن نمشي على الرصيف، لا ونحن نقود في شوارعها. فالسائق يرى شارعًا يمر أمامه بسرعة، أما الماشي فيرى وجوه الناس، وواجهات المحال القديمة، وشجرة نبتت من شق في الإسمنت وأصرّت على الحياة رغم كل شيء. الرصيف، بهذا المعنى، هو المكان الذي نرى فيه المدينة كما هي، لا كما تمر بنا.
لذا لا يطلب منا الرصيف الكثير. لا يطلب سوى أن نمشي عليه بأمان، وأن يبقى خاليًا من العوائق، وأن يُنظر إليه بوصفه جزءًا من حياتنا اليومية، لا هامشًا منسيًا بين البناء والطريق. وربما كانت علاقتنا بالأرصفة، في العمق، انعكاسًا لعلاقتنا بأنفسنا: نمشي عليها كل يوم، ونادرًا ما نتوقف لنسأل كيف حالها.
